مارينا تسفيتايفا.. قصائد يتقاطع فيها الفكر مع الغناء

10 اغسطس 2025   |  آخر تحديث: 06:09 (توقيت القدس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- مارينا تسفيتايفا، شاعرة روسية، عاشت حياة مليئة بالتشرد بعد الثورة الشيوعية، حيث واجهت الفقر والجوع في فرنسا وروسيا، وفقدت ابنتها وزوجها، مما أدى إلى انتحارها.
- تتميز أشعارها بتنوع الأساليب والمواضيع، حيث تتداخل الغرابة والمفارقة مع الدعوة الفكرية والغنائية، وتُظهر تأثيرات من الشعر الفرنسي والسريالية، مع اعترافات صادقة ومتناقضة.
- كانت قريبة من شخصيات أدبية بارزة، وتُعتبر أشعارها جديدة ومبتكرة، تعكس علاقتها المعقدة مع روسيا وتأثيرها العميق في الأدب الروسي والعالمي.

"ألبوم المساء" مجموعة شعرية لمارينا تسفيتايفا، صادرة عن دار مرفأ، اختار قصائدها وترجمها عن الروسية وقدم لها محمد شريف الأمين. المقدمة الضافية التي استقت من مصادر عدّة، تُسلّط الضوء على السيرة العامرة للشاعرة، الحافلة بالتشرد خارج روسيا وداخلها. هكذا نعثر في نصّ طويل على الشخصية الحياتية والأدبية والفكرية للشاعرة، التي كانت حياتها عاصفة منذ وُلِدَت في بيت نبيل ثري، لم يلبث أن دمّر بعد الثورة الشيوعية.

قُدِّر للشاعرة بعد ذلك أن تعيش وسط ظروف أقرب إلى التدهور المثابر، والتناقضات، والنكبات المتلاحقة. انقضت طفولتها في يُسر وانبساط. تعلّمت الألمانية والفرنسية، وهي بَعدُ في سنواتها الأولى. بدأت الشعر من صغرها. حملتها الثورة الشيوعية على المغادرة إلى فرنسا، والعودة إلى روسيا بعدها. تزوّجت، وهي دون العشرين، من سيرغي آفرون الذي يصغرها سناً، والذي لم يلبث أن فارق روسيا، ليعود بعدها ويُحاكَم لكونه جاسوسا نمَّتْ عليه ابنته تحت التعذيب، وأُعدِم. 

لم تحضر مارينا دفن ابنتها إيرينا التي ماتت جوعاً، لكنّها من ناحية أخرى، أمضت وقتاً طويلاً في رفقة ابنها. أمضت أعواماً طويلة في فرنسا، لكنّها افتقرت، حتى اضطرّت إلى العمل في المنازل. تكرّر الأمر نفسه لدى عودتها إلى روسيا. ظلّت على حافّة الجوع هي وابنها، إلى أن ضاقت بحياتها فانتحرت بشنق نفسها.

أشعار مثل حياتها، لا تقف عند جملة واحدة وأسلوب واحد

في قراءتنا لترجمة قصائدها، نشعر بأنّ وراء النصوص لغتها الأولى. في ترجمته، لم يلجأ محمد الأمين إلى التعريب. القصائد تنقل إلى قارئها صدى آخر وإيقاعاً ثانياً، بحيث يعود جزء من متعة القراءة إلى هذا التزاوج بين الجملة العربية والإيقاع الأجنبي. نحن هكذا نشعر بأن جزءاً من جمال النصّ يعود الى أصله الروسيّ.

أمّا أشعار تسفيتايفا فهي مثل حياتها، لا تقف عند جملة واحدة وأسلوب واحد. إنّنا في بعضها نتذكّر الشعر الفرنسي، بدءاً من السريالية حيث الصور تتوخّى الغرابة: "ولورقة الليل في الفم طعم". لكن ما في القصائد من دعوة يتقاطع فيها الفكر مع الغناء قد يذكّر برامبو: "الروح تأخذ بالطلاق من الجسد الخامل، الطائر يغطّي القفص العظمي للطلاق". 

مع ذلك، لن نقع على أسلوب خاصّ بمارينا؛ نحن نقع على أكثر من أسلوب، على أكثر من جملة، لكن ما يمكن أن نقف عنده في قصائد تسفيتايفا هو مارينا نفسها. 

ألبوم المساء
لوحة تذكارية تكريماً لمارينا تسفيتايفا في زقاق سيفتسيف فراجك في موسكو (Getty)

نشعر أحياناً بأنّنا نعثر على الشاعرة، على ما يبدو من بعيد لحظاتها الحميمة، المفارقات التي تصادفها، الطريقة التي تستقبل بها ما يجدُّ عليها، الغرابة والمفارقة في هذه التفاصيل: "كلّ الأشياء تتساوى عندي عندما أكون وحيدة، على أيّ حجارة أكون في منزلي، أسير مع جرذان السوق الى البيت، ولا أعلم أنّه لي بمثابة مستشفى أو ثكنة عسكريّة"، و"أنت غريب عنّي ولستَ غريباً، عزيز عليَّ ولستَ عزيزاً". إنّها اعترافات، لحظة حقيقة ليست دائماً مستوية، وقد تكون بالعكس متناقضة. 

ومع ذلك ثمّة مزاج يفور، ثمّة نقمة لا تلبث أن تنفجر، قدرة على الرشق، ليس فقط بالحجارة، بل بكلام يقتل نقمة وسخطاً، وربّما هزءاً. وقد يكون ساخراً ومتفارقاً، أو قد تنزُّ منه حقائق قاسية: "يعجبني أنّك لستَ مريضاً بي"، و"الله معك يا أخي الذئب، صداقتنا تحتضر، أنا لستُ هديّة لك، بل واجب"، وكذلك "هكذا الوطن لم يحمِني، كلّ بيت غريب عليّ، كلّ معبد فارغ منّي"، وأيضاً "سأرمي المفاتيح من الشرفة، في الليالي الأرضيّة أكون أنا أكثر إخلاصاً من كلب". 

هكذا نعثر أيضاً على ضدّيّة مُعلنة: "أنا سعيدة أنّنا منفصلان، أُقبِّلكَ من خلال مئات الأميال، التي تفصلنا عن بعض". ونقرأ هكذا سيرة سلسة، تقدر في الوقت ذاته على الغناء، ولكن أيضاً على التهكم وعلى ما يشبه الكاريكاتور: "دع أرواحنا تتحد من دون كلام، أنت تهمس بحنان ليس لي أنا، كم عدد الكتب"، و"يا له من حجر ثقيل الوزن، اخترتُه دون أن يغريني الماس". لكن أيضاً هناك روسيا التي أمضت حياتها تدور حولها: "فإنّ روسيا غير موجودة مثلي أنا"، و"في بلدي يوجد مكان للتقبيل"، وكذلك "حان الوقت، حان الوقت، حان الوقت، لإعادة البطاقة للخالق".

من المهمّ أن نُصدّق تسفيتايفا ونحن نقرأها. ليست شاعرة غريبة علينا فقط، لقد كانت غريبة على الشعر الروسيّ نفسه. كانت قريبة من باسترناك، الذي أهدى إليها الحبل الذي شنقت نفسها به بعد وقت. كانت لها صلاتها مع ريلكيه وأبولينير وآخرين، لكنّ شعرها يبقى مع ذلك، وبدرجة ما، جديداً في الشعر، وفي الخيال والفكرة أيضاً.


* شاعر وروائي من لبنان