مأساة صلاح أحمد بركات: كافكا الفلسطيني

08 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 08:24 (توقيت القدس)
طفل على درّاجة بعد هجوم إسرائيلي استهدف مبنى سكنياً في مدينة غزة، 6 فبراير 2026 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- في رواية "المحاكمة" لكافكا، يعكس اتهام جوزيف ك. العبثية التي يعيشها الفلسطينيون عند معبر رفح، حيث يواجهون ظروفاً قاسية من الدمار والتهجير، مع فرصة محدودة للتنفس والتنقل رغم النزوح المستمر.

- قصة صلاح أحمد بركات تكشف معاناة الفلسطينيين بعد النكبة، حيث اضطر للعيش في ظروف قاسية بالقاهرة، واعترافه الزائف يعكس اليأس المدبر الذي يدفع الأفراد للصمت أو الانسحاب.

- أمام معبر رفح، يتجدد اليأس مصحوباً بالعنف، حيث يجد الفلسطينيون أنفسهم محاصرين، مما يجعل الهرب الخيار الوحيد، في عالم لا يخلُ من الحرب والتهجير.

في رواية "المحاكمة" لـ كافكا، يستيقظ جوزيف ك. ذات صباح ليجد نفسه متهماً، من دون أن يعرف الجريمة التي ارتكب. بعد أكثر من سبعين عاماً، وأمام معبر رفح، لا يبدو المشهد بعيداً عن تلك العبثية القاتلة: الفلسطيني مطالب بالتبرير، بالانتظار، بالاختيار بين خيارات صُمِّمت كي لا تكون خيارات. بعد شهور عاصفة، سقطت فيها مبانٍ، واقتُلعت خيام، بعد النوم على أفرشةٍ مبلّلة، وعبور طُرق موحلة، بعد أشهر الدمار الشامل، جاء وقت الهدنة، يستطيع فيها الفلسطينيون أخيراً أن يتنفّسوا، ويستريحوا، ويتنقلوا، وحتى أن يغادروا قطاعهم عبر معبر رفح.

يقول الخبر إنّ عدد المغادرين من المعبر يفوق عدد العائدين بثلاثة أضعاف. فهل يعود ذلك إلى العدد الكبير للمرضى والجرحى الذين خلّفتهم سنتان من الحرب والدمار؟ متى كانت إسرائيل أصلاً معنيّةً بعلاجهم أو بحياتهم؟ أم أنّ الأمر ليس سوى حلقة جديدة في تاريخٍ طويل من العبور القسري، والنزوح المتكرّر، والتهجير الذي وسم التجربة الفلسطينية منذ عقود؟

هؤلاء العائدون، اجتاز بعضهم البوابة، وبقي بعضهم عالقاً في الضفة الأُخرى، يطلّ من بعيد على أرضٍ قريبة منه، وبعيدة عنه، لا يرى منها غير السراب. ومن المرجّح أن يقلَّ عدد الداخلين ويزداد عدد النازحين. من يدري؟

في اعترافه تحدث بركات عن القرى الفلسطينية التي أُفرغت بالقوة

اليأس ليس دائماً إرادياً. كثيراً ما يكون مدبّراً بعناية شيطانية. كأن يتحول القمع إلى روتين، أو تُغلق سُبل العدالة، أو يُجرَّم الحقّ في الأمل. حالة تدفع المواطن إلى الصمت أو الانسحاب. وإلى النزوح في أحيانٍ كثيرة.

نشر الصحافيُّ المصريُّ صلاح عيسى في سنة 1976 مقالاً بمجلة آفاق عربية تحت عنوان "مأساة صلاح أحمد بركات". وهو تعليق على وثيقة عثر عليها الصحافي ضمن أرشيف مصري يعود إلى سنة 1949.   

ذات صباح من سنة 1949، لاحظ صاحبُ مصبنةٍ بالقاهرة اختفاء قميصين وسروالين من ملابس الزبائن، واتصل بالشرطة. وقفت سيارة الشرطة أمام المصبنة واعتقلت المتهمَ بالسرقة. في أثناء التحقيق قال إن اسمه صلاح أحمد بركات، من مواليد القاهرة، في السابعة والعشرين من عمره. معترفاً في النهاية بالتهمة المنسوبة إليه. نعم، كان في أمسِّ الحاجة إلى ملابس لأن تلك التي على جسده بَلِيت. حين سأله المفتش هل عنده سوابق، أجاب نعم، أنا من اغتال حسن البنا، المرشد العام للإخوان المسلمين. المفاجأة وضعت حدّاً للاستنطاق. وأخرست ألسنةَ المحققين الموجودين في المكتب.

لم يعد الأمر متعلّقاً بسرقة ملابس زبائن المصبنة. أخذت القضية بُعداً سياسياً. والبتُّ فيها يعود إلى أقسام أخرى. حيرة الضابط الذي مثُل أمامه بركات لا تكمن في الاعتراف الطّوعي للشاب. السؤال الذي يشغله هو: لماذا ينسب هذا الشاب إلى نفسه تهمة يعرف أنه بريء منها؟ 

الحيرة تصير علامة استفهام كبرى بعد كلّ استنطاق. كان صلاح أحمد بركات يردّ على الأسئلة بدقة متناهية. نوع السلاح الذي استعمله في العملية. المكان الذي كان يقف فيه في أثناء التنفيذ. الزاوية التي وجه منها رصاصاته. عدد الرصاصات؟ ثلاثة. هل نافذة السيارة التي كانت تقل المرشد العام مفتوحة أم لا؟ مفتوحة إلى النصف. هل كان محرك السيارة يشتغل؟ نعم. كل أجوبته تمتاز بدقة مثيرة.

الإنسان محاصرٌ هنا وهناك أمام قوةٍ عمياء بأذرعٍ متعددة

على مكتب الضابط ملف القضية كاملاً، بأحداثها العلنية والسرية: محمود فهمي النقراشي باشا، الذي تولّى رئاسة الوزارة المصرية في تلك الفترة أصدر قراراً بحلّ جماعة الإخوان المسلمين، ومصادرة أموالها، واعتقال عدد من قياداتها، معتبراً إياها تنظيماً يهدّد أمن الدولة.

شابّ يُدعى عبد المجيد حسن، طالب في كلية الطب البيطري، وعضو في جماعة الإخوان المسلمين، هو من اغتال النقراشي، متنكّراً في زيّ ضابط شرطة. جاء هذا في اعترافاته أمام الشرطة. اغتيال الزعيم هو ردّ مباشر على قرار حلّ الجماعة. بعد أقل من شهرين، في فبراير/ شباط 1949، جرى اغتيال حسن البنا، المرشد العام للإخوان المسلمين، في عملية دبرتها أجهزة الدولة، في سياق تصفية متبادلة. لماذا يتهم صلاح أحمد بركات نفسه بجريمة لم يرتكبها؟

يتحدث صلاح عيسى في مقاله عن التحريات اللاحقة التي قامت بها الشرطة. صلاح أحمد بركات شاب فلسطيني كان ممثلاً في إحدى الفرق المسرحية الهاوية بحيفا. ماتت عائلته في حرب 48 وساقته النكبة وما تلاها من تدمير وتشريد إلى خارج فلسطين. استقرّ أخيراً بالقاهرة. بعد التنقل بين عدّة مهن متواضعة، والمبيت في غرفٍ حقيرة، اشتغل في مصبنة كان صاحبها يوجّه إليه تلميحات مُحطّة لدرجة أنه ترك العمل من دون أن يتقاضى أجره. في عمله الأخير بالمصبنة التي اعتقل فيها، وفّر له صاحبها العملَ والمبيتَ في المحل. وكان بركات في حالةٍ من الإملاق جعلته يستولي على بعض الألبسة كي يخرج إلى الشارع بلباس لائق. أما الأوصاف الدقيقة التي أدلى بها بركات عند الشرطة فتعود إلى شغفه بالمسرح. ذاكرته القوية هي التي مكّنته من أن يحفظ تفاصيل قصة الاغتيال كما قرأها في الصحف. 

في اعترافه الأخير يتحدث بركات عن القرى الفلسطينية التي أُفرغت بالقوة. الرحيل أو الموت. نساءٌ كنّ يخبزن، خرجن وتركْن العجين في الأفران. أُحرقت بيوت، وسُوّيت أحياء كاملة بالأرض. يتحدّث عن القوافل البشرية وهي تسير على الطرقات الترابية. شيوخ يتّكئون على العصي، نساء يحملن أطفالاً لا يفهمون ما يقع لهم ولذويهم. 

هنا، الآن، أمام معبر رفح، يلتقي اليأس مرّة أُخرى، مصحوباً بالعنف نفسه، وانطفاء الأمل وانكسار القدرة على تخيّل أي مستقبل. الكائن معلّق. محاصرٌ هنا كما هناك. أمام قوةٍ عمياء. ذات أذرعٍ متعدّدة. هدفها بثّ اليأس في إمكانية البقاء. عنفٌ لا يهدف فقط إلى الإخضاع، بل إلى إقناع الضحية بأن الهرب هو الخيار الوحيد.

اليأس ليس غياب المقاومة، بل ثمن استمرارها تحت شروط مستحيلة. لا يعود المواطن متمرّداً ولا خائناً حين يرحل، بل كائناً يبحث عن حدٍّ أدنى من قابلية العيش والاستمرار.

لم يخلُ العالم يوماً من حربٍ. لم يمرّ يومٌ واحدٌ على الإنسانية من دون سفك دمٍ. وتصل في حالات أُخرى إلى تهجيرٍ أو إبادة. العالم كان ولا يزال في هدنة مؤقتة. حين تكون هناك هدنة فانتظر الأسوأ. الخمسون نفراً الذين أعلنتهم الدولة الإسرائيلية رقمٌ مضلّل، ككلّ ما تعلنه. لا أحد يعرف ما يختفي وراءه من مكائد قادمة. في زمننا هذا لا يمكن الوثوق بأعراف أو معاهدات أو قوانين. 


* روائي من المغرب