"طيارة من ورق" لفؤاد الخوري.. الأرض والشعب قبل الإبادة

08 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 11:15 (توقيت القدس)
جانب من المعرض (صفحة غاليري تانيت على فيسبوك)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يفتح معرض "طيارة من ورق" للمصور فؤاد الخوري نافذة جديدة على غزة، حيث يلتقط صوراً تلامس نبض الحياة اليومية بعيداً عن كليشيهات الدمار، مستعرضاً تفاصيل صغيرة تستمر فيها الحياة رغم الصعوبات.
- يجمع الخوري بين السياسة والتاريخ في سرد بصري، حيث تتشابك صور الأماكن المدمرة مع بورتريهات فلسطينية، ويبرز "البونكتوم" في لقطات مثل فستان العرس الأبيض وسط رؤوس الملفوف الذابلة.
- يمتد تاريخ الخوري المهني لأكثر من خمسين عاماً، حيث عُرضت أعماله في متاحف عالمية وشارك في معارض مرموقة، مما يجعله من أبرز مصوري العالم العربي.

نافذةٌ مختلفة على غزة يفتحها المُصوّر الفوتوغرافي اللبناني فؤاد الخوري من خلال معرضه "طيارة من ورق"، الذي يتواصل في غاليري تانيت بـ بيروت حتى الخامس من الشهر المقبل. صورٌ التقطها في القطاع بالتعاون مع جيريمي بيكوك بين عامي 1993 و2010، تلامس نبض اليومي، وتقاطع جمالياً بين حدود السياسة والتاريخ. ولتحليل هذه المجموعة الفوتوغرافية التي يقترحها، يمكننا الاستناد إلى نظرية الناقد الفرنسي رولان بارت في كتابه "الغرفة المضيئة"، وتحديداً في جدلية "الاستوديوم" و"البونكتوم".

يظهر "الاستوديوم" في أعمال الخوري من خلال السياق الثقافي والسياسي العام الذي ندركه في صُوره من قطاع غزة؛ تلك المباني الرمادية، والممرّات الإسمنتية العالية، وشجرات الكينا على جانبي شارع صلاح الدين. المُصوِّر، هنا، يعمل جغرافيّاً للذاكرة، يستخدم عدسته بعيداً عن الكليشيهات المعتادة حول الدمار، ليطرح رؤية تستدعي الانتباه إلى التفاصيل الصغيرة والأماكن التي تستمر فيها الحياة في غزة رغم كلّ شيء. وإن كان واقع الإبادة الصهيونية في القطاع اليوم يُلحّ علينا بسؤال: ما جدوى "الأثر" الفوتوغرافي، في ذروة يُباد فيها "الموضوع" (الإنسان والمكان)؟

سرد بصري يجمع بين السياسة والتاريخ بعيداً عن نمطية الدمار

أما الـ"بونكتوم" في أعمال الخوري، فهي تلك "الوخزة" أو التفصيل المفاجئ الذي يخترق وعي المشاهد ويمنح الصورة عمقاً عاطفياً غير متوقّع. نجد هذه الوخزة في صورة فستان العُرس الأبيض المعلّق في أحد أزقّة غزة الشعبية، حيث يتجلى التباين الصادم بين بياض الفستان الذي يرمز إلى البدايات والحلم، وبين رؤوس الملفوف الذابلة على الأرض التي ترمز إلى الزوال واليوميات المنهكة. 

طيارة من ورق -القسم الثقافي
(صفحة غاليري تانيت على فيسبوك)

مع ذلك، تكمن في قلب المعرض لحظة لا نستطيع فيها الفصل بين الحاضر والماضي، حيث تتشابك صُور الأماكن المدمّرة مع بورتريهات لوجوه فلسطينية تحمل نظرات يمتزج فيها التحدي بالخذلان. وفي واحدة من أبرز لقطات المعرض، تلك التي تصوّر مباراة كرة قدم في أرض قاحلة بغزة، يقتنص الخوري اللحظة الحاسمة، فنرى جسد حارس المرمى طائراً في الهواء يتحدّى الجاذبية وجمود الواقع الكئيب. يعيد "طيارة من ورق" تأكيد قدرة فؤاد الخوري على استخدام أدوات التصوير لتفكيك العلاقة بين الفعل الفني والواقع السياسي. المعرض رحلةٌ بصرية، كما هو دعوة إلى التفكير في معنى البقاء داخل غزة بعيداً عن السرديات السطحية، وحوارٌ بصري يملك من العمق - بلا ثقل - والحساسية ما يجعلانه راسخاً في وجدان المتلقي. 

تمتدّ مسيرة الخوري المهنية نحو خمسين عاماً، حيث عُرضت صورُه في مجموعات كبرى المتاحف العالمية، وشارك في معارض مرموقة مثل "بينالي فينيسيا"، وساهم في تأليف نحو 40 كتاباً، وكان من المساهمين في "مؤسسة الصورة العربية". تاريخٌ طويل يضعه في مصافّ أهم مصوّري العالم العربي، أو كما يُشار إليه "هنري كارتييه بريسون لبنان".