"جاكراندا" نزار السعيدي.. شخصيات تستأنف ثورةً لم تُحسم

08 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 07:33 (توقيت القدس)
من العرض (صفحة مهرجان الحمامات على فيسبوك)

تتقاطع على الخشبة شخصيات مهمّشة مع رأس مال متغطرس وعنف وصحافة تحاول كشف التنظيمات الإرهابية. هكذا يستحضر عبد الحليم المسعودي في نصه المسرحي شعارات الثورة التونسية في أواخر 2010 وبداية 2011؛ يومها لم يكن الخبز مطلباً اقتصادياً منفصلاً عن السياسة، بل اقترن بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، ولم يكن السؤال كيف يجد الناس قوتهم فقط، بل كيف يعيشون من دون أن تُصادر أصواتهم وحقوقهم، ومن دون أن يتحوّل العمل إلى وسيلة لإخضاعهم أو دفعهم إلى الصمت.

لا تعيش شخصيات مسرحية "جاكراندا"، التي عُرضت الأربعاء الماضي ضمن فعاليات الدورة الستين من مهرجان الحمامات الدولي في تونس، الثورة بوصفها حدثاً مضى، بل باعتبارها حاضراً لم يُحسم. فهُم على خشبة في حالة تمرّد وثورة ومقاومة. كما يسائل العمل الذي أخرجه نزار السعيدي، العلاقة بين الحاجة والكرامة داخل بناء سينوغرافي يستعيد فيه الجسد سلطته على الخشبة. وتتداخل رموز العرض بين "الجاكراندا" الشجرة البنفسجية الآسرة بجمالها لكنها غير المثمرة، و"تانيت"، اسم مركز خدمات الاتصال الذي يحيل إلى إلهة الخصب عند القرطاجيين، ويُدعى المتلقي إلى المشاركة في تأويل واقع مأزوم.

هل يستطيع الإنسان أن يحافظ على خبزه من دون أن يفقد صوته؟

هنا، تقفز إلى الذهن صورة المواطن الذي ظهر خلال أيام الثورة حاملاً الخبزة واستعادها الشارع التونسي مؤخّراً،  لما تختزنه من دلالات مرتبطة بتلك الأحداث. فالخبزة لم تكن مجرد رغيف، بل اختزلت مطلباً يجمع بين الحق في العيش والحق في الكرامة.

وقبل ثورة 2010–2011 بسنوات طويلة، كان الخبز قد خرج من المطبخ إلى الشارع. ففي يناير/ كانون الثاني 1984، اندلعت احتجاجات واسعة عقب الزيادة في أسعار الخبز والحبوب، وعُرفت لاحقاً بـ"ثورة الخبز". يومها تجاوز الرغيف وظيفته الغذائية، ليصبح عنواناً للاحتجاج على الغلاء والتهميش، وإشارة إلى أن الحاجة المادية قد تتحوّل إلى فعل سياسي. 

لا تقترح "جاكراندا" الاختيار بين الخبز والكرامة، بل تكشف قسوة الفصل بينهما. فالخبز ضرورة، لكنه لا يكفي وحده لصناعة حياة ذات معنى. وحين يتحوّل الخوف من فقدان العمل إلى وسيلة لإسكات الإنسان أو دفعه إلى قبول الإهانة، تصبح الحاجة قيداً بدل أن تكون حقاً. هنا لا تكون المشكلة في السعي إلى الخبز، بل في أن يُطلب من الإنسان أن يدفع من حريته وكرامته ثمناً للحصول عليه.

حين تتحوّل إلهة الخصب إلى إلهة القبح

تكسر "تانيت" جمالية رمزيتها، وتمنح شخصيات "جاكراندا" أكثر المشاعر قبحاً: الخوف والوجع والعنف والهشاشة والانتظار المدمّر. فيستقطب مركز خدمات الاتصال شباباً وحاملي شهادات عليا، عالقين بين وظيفة مؤقتة وأمل مؤجّل في عمل حكومي. وهكذا يتحوّل الفضاء الذي يُفترض أن يفتح باباً إلى المستقبل إلى منطقة معلّقة بين الحاجة إلى العمل والخوف من فقدانه، فتدخل الشخصيات مثقلة بماضٍ مؤلم، وحاضر مأزوم، ومستقبل ضبابي.  ويؤدي هذه الشخصيات كلّ من الممثلين: حمودة بن حسين وأصالة كواص وأنيس كمون وثواب العيدودي وحلمي الخليفي ومريم التومي ومحمد عرفات القيزاني وحسناء غنام.

من العرض (صفحة مهرجان الحمامات على فيسبوك)
من العرض (صفحة مهرجان الحمامات على فيسبوك)

ومن حكاية الأرملة التي يتبيّن تورّطها في خيانة زوجها والتسبّب في موته، ثم إقامتها علاقة مع شقيقه وسعيها إلى تنصيبه مديراً للمركز، تنفتح شبكة من المصالح  والمؤامرات. وينقسم زمن العرض بين التحضير للتنصيب ومراسمه وتبعاته، غير أنّ ما يبدو حدثاً إدارياً  يتحوّل إلى لحظة تتعرّى فيها الشخصيات، وتنكشف أمراضها النفسية. ومن فضاء يحمل اسم إلهة الخصب، يتشكّل القبح في صور متعدّدة: خيانة وطمع وعنف، وصولاً إلى الإرهاب.

تتباعد الحكايات، لكن الأجساد تلتقي على الخشبة: تتقاطع وتتصادم، تتمرّد وتتعثر، وتبحث عن مفرّ. وبين الصراخ والخوف، تتحوّل الخشبة إلى مساحة تنكشف فيها هشاشة الإنسان، رغم محاولاته الدائمة للمقاومة.

ربما لهذا تحرجنا المسرحية. فهي لا تحملنا على التساؤل فقط: كيف نكسب خبزنا؟ بل ماذا نخسر ونحن نفعل ذلك؟ وبين ذاكرة "ثورة الخبز" ومطالب الحرية والكرامة التي عادت إلى الشارع التونسي بعد عقود، تترك "جاكراندا" سؤالها مفتوحاً: هل يستطيع الإنسان أن يحافظ على خبزه من دون أن يفقد صوته؟ وهل يمكن أن تكون الحياة الكريمة ممكنة حين يُختزل الوجود في مجرد البقاء؟

أطفال في معرض تونس الدولي للكتاب، 23 إبريل/نيسان 2024 (Getty)
آداب
التحديثات الحية
دلالات