المعرض المغاربي للكتاب.. قراءة في السياسات الثقافية بعد سنوات الربيع العربي
استمع إلى الملخص
- تناولت الندوات التحديات التي تواجه الصحافة الثقافية في العالم العربي، خاصة مع التحول الرقمي، حيث ناقش المشاركون الصعوبات في الجمع بين العمل الصحافي والثقافي.
- اختتم المعرض بندوة حول القضية الفلسطينية، حيث قدم الشاعران نجوان درويش ومحمد بنيس رؤى نقدية، مؤكدين على أهمية إعادة تعريف الحقائق الخاصة بالقضية من منظور نقدي.
على مقربة من الحدود المغربية الجزائرية، في مدينة هادئة كثيرة المآذن، وبعيدة عن المراكز التي اعتيد أن تُقام فيها معارض الكتاب الكبيرة، التقى في وجدة في المغرب 120 كاتباً عربياً وفرانكوفونياً، في الدورة الخامسة من المعرض المغاربي للكتاب، الذي اختُتم الأحد الفائت، وتناولت ندوات فيه موضوعات ثقافية مرتبطة بالصناعات الثقافية، وبالتحوّلات التي حملتها السنوات الأخيرة، مع مآلات الربيع العربي، وحضور القضية الفلسطينية.
التقت الندوات بمعظمها في هاتين النقطتين، مع ما يتركه هذا اللقاء من بعد نقديّ. إذ ناقشت الروائية والأكاديمية التونسية أميرة غنيم في ندوة "الموجة والرواية" اعتبارين؛ أولهما أن انتماء النوع الأدبي يقاس باللغة التي كُتبَ فيها، بهذا رأت العربية انتماءً، مع تنوّع لهجاتها. أما عن توجهها للكتابة الروائية، فقد دفعها قصور الدراسات الأكاديمية عن الإجابة على التحولات الاجتماعية في تونس، بعد عام 2011، إلى كتابة الرواية، وهو أمر يتّسق مع رؤية غنيم كتابة الرواية أشبه بالدفاع عن أطروحة، فكتبت كي تجيب عن واقع تونس بعد أن حل مجتمع جديد مكان مجتمع تلاشى.
وعرض الروائي من جنوب السودان عبد العزيز بركة ساكن تجربته من زاوية المنفى، وهي تجربة عامة، تلتقي مع جانب شخصي، إذ بعد إقامته الطويلة في أوروبا، ما زال يرى نفسه، في مناماته، وهو في القرية. والمنفى الذي دُفِع إليه جعل أدبه أكثر انتماءً، حتى في الأعمال المترجمة، أظهر ساكن حرصه على أن يذهب المترجم إلى دارفور، ليلتقط تلك الروح التي ارتحلت معه، والتي شكّلت مادةَ أدبه.
قصور الدراسات الأكاديمية في الإجابة عن التحولات الاجتماعية
فيما عرض الروائي المغربي ووزير الثقافة السابق محمد الأشعري من واقع عمله في الشأن الثقافي وتجربته الروائية؛ بالنقد والتحليل، مقولة "موجة الرواية"، معتبراً هذا الوصف "انفعالاً بلاغياً"؛ البحث في جوهره، يظهر كماً من النصوص على حساب الجودة الفنيّة. ورأى أن فقر واقع القراءة والنشر جزء من مأزق الكاتب العربي، الذي جعل الجوائز الأدبية تحظى بهذه المكانة.
وتردّد صدى هذا المشهد لتصدر الرواية في ندوة أخرى عن الصحافة الثقافية، جمعت الروائي والصحافي المصري ياسر عبد الحافظ، والصحافية اللبنانية سوسن الأبطح، والروائي والصحافي اليمني أحمد زين، ورصدوا عبر تجاربهم في العمل الصحافي تأخراً جديداً يضاف إلى تأخر سابق، بدأت تشكو منه الصحافة الثقافية العربية منذ الانتقال من الصيغة الورقية إلى المواقع الإلكترونية، ليضاف تحدٍ جديد، مع الانتقال من المواقع الإلكترونية إلى منصات التواصل الاجتماعي، إذ حتى المواقع الصحافية الإلكترونية لم تعد تجذب القارئ. إضافة إلى أولوية ما هو سياسي الطابع على ما هو ثقافي.
تبني تصور نقدي يعيد تعريف الحقائق الخاصة بالقضية الفلسطينية
وفي هذا السياق، قرأ عبد الحافظ الإشكالية التي عرضتها الندوة، من حقيقة أن الجمع بين ما هو صحافي وما هو ثقافي "مهمّة صعبة"، إذ لكل منهما أدواته، خصوصاً من زاوية العلاقة مع السلطة. فيما أخذت الأبطح على الصحافة الثقافية "تعاليها" على القارئ، واقتصار موضوعاتها على عناوين قد لا تعني شريحة واسعة من القرّاء. ورأت أن من ضرورة العمل الصحافي الثقافي أن يكون "دليل القارئ: إلى أين يذهب، وماذا يرى؟".
كذلك، أصداء هذه الجلسة وصلت إلى جلسة أخرى، هي "من هو قارئ اليوم؟"، مع رؤية الباحث أحمد شراك أن هجرة القارئ إلى الفضاءات الجديدة ترافقت مع تحول الكاتب إلى "صاحب فيديو" وفق تعبيره، حتى إن شراك قارب هذه الهجرة الجديدة في وسائط القراءة مع الهجرات التقليدية. وأشارت الروائية المصرية نورا ناجي إلى دخول جيل جديد، زد، إلى عالم القراءة من خلال الوسائط الرقمية، التي جعلت القراءة متاحة بسهولة.
في سياقٍ مشابه، شهد المعرض أصواتاً جديدة في الكتابة العربية، منها مشاركة الشاعرة البحرينية جمانة القصّاب، والكاتب السعودي وائل حفظي، الذي رأى في ندوة "كتّاب وتجارب" أن العمل الثقافي العام والانتماء إلى فضاء ثقافي عربي واسع يتيحان تجاوز الخلافات السياسية بين البلدان. من بين التحوّلات التي رصدتها الندوات في مجال الصناعات الثقافية، ناقش كل من المترجم اللبناني روني أبو سابا، والمترجم والشاعر العراقي محمد الأمين الكرخي، والشاعر المغربي نصر الدين بوشقيف، انتقال المترجم، مع أدوات الذكاء الاصطناعي، ليصبح محرّراً أدبياً يشرف على الصيغة التي يعطيه إياها "شات جي بي تي". وهذا نقاشٌ مستجدّ على هذا الحقل، ناقشه المتحدثون على هامش قضايا الترجمة العربية وسياساتها. باعتبارها حقلاً كولونيالياً، يتضمّن الطريقة التي يقرأ فيها "الغرب" الآداب العربية، بوصفها حكاية، لا أساليب وتقنيات.
وفي سياق الربيع العربي، ناقش المتحدثون الاهتمام العربي بنقل الدراسات الفكرية والسياسية التي قرأت تجارب الثورات العربية، من لغات أخرى. في حين أن الدراسات العربية التي نقلت إلى لغات أخرى قليلة. وبالنسج على عنوان الندوة، بدا أنّ العرب يجدون أنفسهم في مرآة الآخر.
بدءاً من الطلب إلى الروائيين نقد تجاربهم، إلى التركيز على نقد واقع الصحافة الثقافية، وصولاً إلى الندوة الأخيرة التي كان موضوعها فلسطين، تحت عنوان "فلسطين أفقاً للفكر والإبداع"، ظهر التوجّه النقدي جزءاً من هوية المعرض، وقد قرأ الشاعر الفلسطيني نجوان درويش هذا العنوان من باب تعريف القضية بدءاً من جذرها الاستعماري الغربي، والأفق الذي تمثله وتنتمي إليه، هو قضية تحرّر تتشاركها الشعوب. كذلك رؤية الشاعر المغربي محمد بنيس حملت نقداً بدأ من قراءة تاريخ الصهيونية، ومدى خطورتها، وتغافل أو عدم إلمام السياسات الثقافية بها، في مسألة المناهج الدراسية والترجمة.
بهذا، كانت مداخلة بنيس طرحاً نقدياً ثقافياً، يعرض القضية الفلسطينية باعتبار أنّها انتماء إلى أفق نقدي. كذلك رأى أن طوفان الأقصى أعاد اسم فلسطين إلى الواجهة، بعد أن غاب، مع سنوات الربيع العربي. وما دعاه الإعلامي المغربي عبد الصمد بن شريف "استقالة العرب" لم يكن في مداخلات المتحدثين، سوى تأكيد الانتماء الإنساني وضرورة تبني تصور نقدي يُعيد تعريف الحقائق الخاصة بالقضية الفلسطينية.