في السنة الثانية بكلية الهندسة في الإسكندرية، وقف أستاذ العمارة محمود حنفي أمام صورة معبد فرعوني، وسألنا: لماذا هذا الباب بهذا الارتفاع؟ لم يعرف أحد. باب الكرنك أطول من عشرة رجال يقف بعضهم فوق بعض. التماثيل بجواره أكبر من البيوت. والعمود الواحد في الداخل لا يحيط به أربعة طلاب ممسكين بأيدي بعضهم.
قال حنفي: لكي تدخل خائفاً. المعبد بيت الإله، وأنت لا شيء. الحجم ليس زخرفة. الحجم هو الرسالة. وكلما دخلت، ضاقت الحجرات وأظلمت، حتى تصل إلى الحجرة الأخيرة التي لن تراها أبداً، لأن الكاهن والملك وحدهما يصلان إلى الإله. كان عمري ثمانية عشر عاماً. كتبتها في الكراسة، ونسيتها. ثم صرت مهندس مساجد، ولم أستطع نسيانها من يومها.
المطلق الذي تغيّر
بعد الكرنك بثلاثة آلاف سنة، جلس مهندس شاب في برلين يكتب عن مبانٍ لم تُبنَ بعد. كتَب أن العمارة الضخمة سلاح، وأن المبنى يستطيع أن يصنع في جسد الواقف أمامه رهبة تشلّه عن التفكير. ورسم لسيّده قاعة تتسع لمئة وثمانين ألف إنسان، يقفون فيها صفوفاً صغيرة تحت قبة لا تنتهي، ليشعر كل واحد منهم بأنه لا شيء، وأن الدولة كل شيء. المهندس هو ألبرت شبير، كبير معماريي هتلر ووزير تسليحه لاحقاً؛ والقاعة هي "قاعة الشعب" (Volkshalle)، التي خُطط أن تتسع لنحو مئة وثمانين ألف شخص ولم تُبنَ.
تغيّرت عَمارة السلطة مرات، لكنها لم تغيّر فلسفتها مرة واحدة
وفي موسكو، في السنوات نفسها، خُطط لأطول مبنى في العالم، يعلوه تمثال. واختير له الموقع بعناية: فوق أنقاض كاتدرائية هُدمت عمداً. بيت الدولة مكان بيت الله، بلا مواربة. والمبنى هو "قصر السوفييت" في موسكو (مسابقته الكبرى عام 1931): خُطط له ارتفاع نحو 415 متراً يعلوه تمثال ضخم للينين، على موقع كاتدرائية "المسيح المخلّص" التي فُجِّرت سنة 1931 لإخلاء الأرض له؛ أوقفت الحربُ بناءه ولم يكتمل، وأعيد بناء الكاتدرائية بعد سقوط الاتحاد السوفييتي.
اطرح أسئلة حول هذا الموضوع
يتم إنشاء النصوص والإجابات بواسطة الذكاء الاصطناعي اعتمادًا على تقارير العربي الجديد، لذا يُنصح بالتحقق من المصادر المرفقة. (خدمة تجريبية)
هذا الموقع محمي بواسطة reCAPTCHA وتطبّق عليه سياسة الخصوصية وشروط الخدمة الخاصة بشركة Google.
غيّرت عمارة السلطة ثيابها في ذلك القرن مرات، من الحداثة إلى الكلاسيكية وبالعكس، لكنها لم تغيّر فلسفتها مرة واحدة: الفرد صغير، والدولة خالدة، والحجم هو الخطبة. الباب الطويل ظل يعمل عمله القديم: تدخل خائفاً، لأن الإله في الداخل. الإله وحده هو الذي تغيّر.
البيت المقلوب
المسجد هو قصة المعبد معكوسة. في الإسلام، الأرض كلها مسجد. قالها النبي محمد صريحة. أول مسجد في المدينة كان أربعة جدران من الطوب اللبن، وسقفاً من جريد النخل. لا حجرة داخلية. لا كاهن بينك وبين ربك. وكلما دخلت وجدت نفسك أقرب إلى الناس، كتفاً بكتف، قدم الغني بجوار قدم الفقير، وهذه هي الفكرة كلها.
اطرح أسئلة حول هذا الموضوع
يتم إنشاء النصوص والإجابات بواسطة الذكاء الاصطناعي اعتمادًا على تقارير العربي الجديد، لذا يُنصح بالتحقق من المصادر المرفقة. (خدمة تجريبية)
هذا الموقع محمي بواسطة reCAPTCHA وتطبّق عليه سياسة الخصوصية وشروط الخدمة الخاصة بشركة Google.
لا شيء في المسجد صُمم ليشعرك بأنك صغير، لأنك لم تأتِ لتزور إلهاً مقيماً خلف باب. جئت لتقف بين يدي مَن هو أقرب إليك من حبل الوريد.
الدين نفسه حسم هذه المسألة منذ القدم، وحسمها بلا رحمة بالجدران. سنان بنى للعثمانيين مساجد هائلة، وحين تقف داخلها لا تشعر بأنك صغير. القبة لا تجلس على صدرك؛ ترفعه. وهذا هو الامتحان، وهو امتحان تصميم قبل أن يكون امتحان أخلاق: هل الحجم في خدمة وصول المُصلي إلى الله، أم في خدمة وصول الباني إلى التاريخ؟
النسبة التي تُخشِّع القلب شيء. والارتفاع الذي يُصغِّر الإنسان الذي لا يقدر أن يصعده شيء آخر تماماً. الجمال نسبة وتناسب. أما الزخرفة الملصوقة على الضخامة، فمكياج.
بناء المساجد
قضيت عمري في الطرف الآخر من المعادلة، في بلاد لا وزارة فيها تبني المساجد. في الولايات المتحدة، يبدأ المسجد حين تجمع بضع مئات من العائلات العادية؛ سائقو تاكسي ومهندسون وأطباء وأصحاب بقالات، أموالها بنفسها، وتشتري بيتاً قديماً أو مخزناً، وتتناقش في أمر قاعة مستأجرة: هل نقدر على بناء حمّام ثانٍ أم لا نقدر؟
جلست ثلاثين عاماً في هذه الاجتماعات. المباني التي تخرج منها ليست أكبر أي شيء. من سنين، صرت أعطي كل مشروع يمر على مكتبي امتحاناً من سؤال واحد: هذا الذي نبنيه، أهو لمن يدخل، أم لمن يبني؟ المعبد كان جوابه دائماً: لمن بنى. لهذا احتاج باباً أطول من عشرة رجال. والمسجد الأول أجاب: لمن يدخل. لهذا اكتفى بأربعة جدران من الطين، ودخلها أفقر الناس ولم يصعد درجة واحدة.
الحكاية كلها في الداخل، داخل المبنى، وداخل الرجل. النية، لا النُّصب. كان محمود حنفي على حق في حكاية أبواب المعبد. تمنيت فقط لو عرف إلى أين ستسافر محاضرته، وأن الأبواب في بعض الأماكن لم تتغير كثيراً.