الفلسطينية هالة عليان تكتب عن أم بديلة وعن وطن لا يمكن العودة إليه

02 سبتمبر 2026   |  آخر تحديث: 16:51 (توقيت القدس)
غلاف الكتاب
+ الخط -
اظهر الملخص
- تستعرض هالة عليان في مذكراتها تاريخ عائلتها الفلسطينية والسورية منذ عام النكبة 1948، مركزة على تأثير الأحداث التاريخية على الأجيال اللاحقة وتعقيدات الهوية والانتماء.
- تتناول تجربة الأمومة البديلة بعد معاناتها من الإجهاضات، حيث تسعى لإنجاب ابنتها عبر رحم بديل في كندا، مما يعكس بحثها عن ارتباط يتجاوز غريزة الإنجاب.
- تستكشف مفهوم البدائل في الجسد واللغة والحكاية، مستلهمة من الأدب والشعر، وتؤكد على أهمية الحكايات كوسيلة للبقاء والصدق في التعبير عن الذات.

امرأةٌ وكاتبة فلسطينية، من هذه الكلمات الثلاث تبدأ هالة عليان كتابة مذكراتها "سأخبرك حين أعود إلى الوطن" (منشورات أفيد ريدر، نيويورك، 2025). كتابة المذكرات هي ما يقوم به الكتّاب عادةً حين يشعرون بأنهم يقفون على الحافة التي بإمكانهم أخيراً الانطلاق منها، حافة تحرر الذاكرة من الإثم المتوارث، والإخفاقات المتكررة، والسعي إلى ما اعتقدوا أنه ذروة وصولهم الأسمى، أو حتى إلى اللا شيء. لكن، على خلاف إقامة الكاتب بين أفكار يعتقد أن الزمن جعله أكثر معرفة بها، وبين ماضٍ أصبح في كلِّ ما يراه. تكتب هالة عليان مذكرات تشوِّش على حركة التاريخ بين حدود فاصلة، وتشوِّش على الأصوات المتسلّطة والحادة فيه، الأصوات التي تخترق وعينا بشراسة وتترسَّخ في طبقاته.


ما يحمله جسد عن جسد

تعود عليان في المذكرات إلى الجيل الثالث من عائلتها، وتحديداً إلى مايو/أيار 1948؛ عام النكبة الذي حسم مصير الفلسطينيين لأجيال مع بداية سلسلة طويلة من الحروب والمحو سيظلّ حاضراً بعد أكثر من سبعين عاماً في جسد الحفيدة وذاكرتها. سهام، جدتها الفلسطينية من جهة الأب، في الخامسة عشرة، تعيش في المجدل في بيت على شاطئ البحر المتوسط، وعلى بعد مئتي ميل إلى الشمال في دمشق، تعيش فاطمة، جدتها السورية من جهة الأم، في بيت ذي أرضيات رخامية وفناء تملؤه نباتات الريحان والدفلى. بعد ثمانية وثلاثين عاماً ستلتقي المرأتان في الكويت، حين يتزوج ابن سهام ابنة فاطمة. الجدة الفلسطينية ستُدفن لاحقاً في تراب سوري، والجدة السورية في تراب لبناني.

تعود عليان إلى الجيل الثالث من عائلتها في عام النكبة
 

التاريخ الذي تعود الكاتبة إليه في هذه المذكرات هو تاريخ جسد المرأة حين يُنتزَع من جذوره ومن أمومته في الوقت نفسه. تفتتح الكاتبة المذكرات بعبارة الشاعر الفلسطيني محمود درويش: "لا أبصر في هذا الليل إلا آخر هذا الليل"، وتقابلها بعبارة الشاعرة الأميركية آدا ليمون: "تخيّل أن عليك أن تنجو من دون أن تهرب". من محاولاتِ نجاةٍ متعددة تخرج الكاتبة عن ذاتها لتمنح أكثر ما تستطيع المرأة أن تمنحه، أي الولادة لكائن آخر، لكن حدث أن هذه الولادة لن تتم إلا عبر رحم بديلة. معاناة خمسة إجهاضات متتالية، أو "تفريغ الجسد من أمومته" كما تقول، جعلها تبحث، عبر وكالات الأم البديلة في كندا، عن ولادة ممكنة لابنتها بيولوجياً، كما جعلها تكوِّن في هذا الكتاب رحماً لا تشترط التلقيح وانغراس الجنين وماء المشيمة لخلق ارتباط عضوي بينها وبين ابنتها "ليلى". كأنه ارتباط يأتي من دوافع تتعدى غريزة الإنجاب إلى فقد كياني للذاكرة، واللقاء الحميم مع الآخر، حين نكون جزءاً من عائلة الأشجار والمدن والحريات، أي فقد للذات داخل نواة العالم، وهو ما لا يمكن الانفصال عنه أبداً.


كل شيء يمكن أن يكون بديلاً

تفسر هذه العبارة حركة واسعة في الكتاب: جسد يحمل بدل جسد، وبلد يحمل من اقتُلع من بلد، ولغة تحمل ما تعجز لغة واحدة عن حمله، وحكاية تحمل مكاناً لم يعد بالإمكان العودة إليه. أدَّت عليان دور شهرزاد في مسرح مدرستها حين كانت مراهقة، ثم عادت إليها كاتبة ومعالجة نفسية وامرأة تفكر في معنى الحكاية. شهرزاد تنقذ حياتها بما ترويه، لكن عليان تسأل: ماذا كانت ستروي لو أنها كانت تتكلم بدافع الحب لا الخوف؟ بل ماذا لو كانت شهرزاد هي المؤلفة وكانت تدرك خطورة القصة التي لا تُروى؟ من هنا يأتي اهتمامها بأصول "ألف ليلة وليلة" المتعددة، السنسكريتية والفارسية وبلاد ما بين النهرين. فالأدب لا يحتاج إلى نقاء عرقي أو ثقافي حتى ينتمي؛ وحياته في اختلاطه وانتقاله وإعادة كتابته. من منَّا يستطيع الكشف عن أصل واحد حين يكون النص مكتوباً بلغة والمتخيَّل الحاضر فيه بلغة أخرى؟ تعود الكاتبة أيضاً إلى الفكرة عن "المشرق"، وتستحضر ما كتبه المؤرخ ألبرت حوراني: "أن تكون مشرقياً يعني أن تعيش في عالمين أو أكثر في الوقت نفسه، من دون أن تنتمي إلى أيٍّ منها."

حضور عليان في المذكرات، بوصفها امرأة مسلمة، لا يأتي من باب فقهي أو وعظي، بل من علاقة حميمة باللغة القرآنية، بصوتها وصورها وما تفتحه داخل الذاكرة. تتوقف عند سورة الناس، آخر سورة في القرآن، وتتوقف عند الآية: "الذي يوسوس في صدور الناس". تستمع إلى فونيمات الكلمة: يوسوس - صدور - الناس، وإلى ذلك الصوت الذي يشبه الهمس. تتأمل كلمة "الصدور" التي وردت فيها، والتي يمكن أن تعني القلب أو الثدي. فتتخيل فماً للشر لا يهمس عند الأذن، أو قرب العنق مثلاً، إنما هو قريب من بطينات القلب، وتصل قراءتها إلى معنى يتجاوز طلب النجاة من الشر: ربما يكون الابتهال الأخير في هذه السورة طلباً للحرية.

تخرج الكاتبة عن ذاتها لتمنح المرأة الولادة لكائن آخر
 

من خلال تسعة فصول للمذكرات والحمل، وقبل فصل الولادة، تحاول الكاتبة الإشارة إلى ما ينفلت منَّا في انتقالاتنا السريعة. سقطت أجساد عائلتها بطرق غريبة، أو كما تقول: بطرق "نبوئية وعابرة للمألوف" فقد سقطت مدنهم أيضاً. كان خرف جدتها يردد صدى خراب سورية، وجدها الذي أمضى طفولته في عكا، وكان يؤمن بالوحدة العربية، أمضى حياته يقاتل من أجل بيروت، ثم أصيب هو بنوع مختلف من العدوى، ومرض بمدينة تموت.

كذلك تستحضر عليان عبارة للمحلل النفسي والكاتب البريطاني آدم فيليبس: "لماذا لا توافق على أن تموت، ثم ترى ما الذي سيحدث؟" فشل الحمل، وموت الأمكنة، وضرورة التخلي عن الذات السابقة حتى تبدأ الأمومة، كل ذلك قد يجعلنا منخرطين في أشياء لا ننتبه حتى إلى وجودها، لنبحث عن الشَّبع بدل أن نمنح الرغبة. لم تستطع المرأة والكاتبة الفلسطينية هالة عليان أن تمنح ابنتها بيت الجدة، أو المجدل، أو بيروت قبل الخراب، أو الأموات الذين لم تلحق بهم، كما لم تستطع أن تمنحها ولادة تمرُّ عبر جسدها كما حلمت، لكنها تستطيع أن تمنحها الحكايات. أحياناً، لا يبقى سوى الحكاية، شرط أن تُروى كما تقول: بوحشية وصدق.