الزمن المفقود في مخطوطات مارسيل بروست غير المنشورة

03 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 13:45 (توقيت القدس)
من مخطوطات بروست غير المنشورة خلال فعالية في باريس، 17 سبتمبر/أيلول 2025 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أطلقت المكتبة الوطنية الفرنسية حملة لجمع 7.7 ملايين يورو لشراء 900 مخطوطة غير منشورة لمارسيل بروست، تكشف عن تطور مشاهد روايته "البحث عن الزمن المفقود"، مما يثير النقاش حول الأرشيف الأدبي وعلاقته بالملكية العامة والخاصة.
- تؤكد تصريحات رئيس المكتبة على دور الدولة في حماية الأدب، مما يعكس أهمية الحفاظ على الإرث الأدبي كجزء من الهوية الوطنية.
- تعتبر رواية "البحث عن الزمن المفقود" ملحمة أدبية محورية في الأدب الفرنسي الحديث، حيث حاز الجزء الثاني منها على جائزة غونكور عام 1919.

بعد أكثر من مئة عام على نشر رواية "البحث عن الزمن المفقود"، تعود فرنسا إلى روائيها مارسيل بروست صاحب الإرث السردي الذي تتقاطع فيه الشخصيات والسياقات التاريخية. حيث أطلقت المكتبة الوطنية الفرنسية في باريس، أخيراً، حملة عامة لجمع نحو 7.7 ملايين يورو لشراء تسعمئة مخطوطة غير منشورة للروائي، ستُباع من قبل الورثة في دار مزادات "سوذبيز"، وتتوزّع بين مسوّدات أُولى، وملاحظات، وتجارب نصية تعود إلى الفترة ما بين 1907 و1909.

تكشف هذه الأوراق الطريقة التي تبلورت فيها المشاهد الأكثر شهرة في عمل بروست (1871 - 1922)، ومنها المشهد المرتبط بكعكة "المادلين"، والذي يصفه بالجزء الأول من روايته المعنون بـ"جانب منازل سوان": "أرسلت في طلب واحدة من تلك الكعكات الصغيرة الممتلئة، المسمّاة مادلين، والتي تبدو وكأنها مُشكّلة في محّارة محزّزة. وسرعان ما، وبطريقة آلية، منهكاً بعد يوم كئيب مع احتمال غدٍ كئيب، رفعتُ إلى شفتيّ ملعقة من الشاي الذي نقعتُ فيه لقمة من الكعكة. ما إن لامس السائل الدافئ، والفُتات المصاحب له، حنَكي، حتى سرَت رعشةٌ في جسدي كلّه، وتوقّفتُ، مُركّزاً على التغيرات غير العادية التي كانت تحدث. لقد غزت لذّة رائعة حواسي". لكن المسوّدات تُظهر أنه قبل أن يستقرّ على هذا النوع من الكعك، جرّب أطعمة أُخرى؛ قطعة خبز قديم، ثم خبزاً محمّصاً، ثم بسكويتاً.

كشفت هذه الأوراق الطريقة التي تبلورت فيها المشاهد الأشهر

تعيد هذه التفاصيل جدلَ الاقتناء الخاص وعلاقته بالأرشيف الأدبي (العمومي) إلى الواجهة، كما توضّح تبدّلات العملية الإبداعية في مراحلها المختلفة. لكنّ الأهم هو تبنّي مؤسسة وطنية لحملة عامة، وهذا ليس جديداً على فرنسا، حيث يتجاوز النقاش الشأن المالي الصرف إلى القيمة المعنوية، فيما تُقرأ تصريحات رئيس المكتبة الوطنية الفرنسية، التي قاربت تمويل الحملة من منظور وطني، باعتبارها إعلاناً عن دور الدولة في حماية الأدب بوصفه جزءاً من التراث المادي والرمزي معاً.

بروست -القسم الثقافي
بروست في بورتريه يعود لمطلع العشرينيات (Getty)

وعلى الأرجح أن تنجح الحملة الفرنسية في جمع المبلغ المطلوب، لكن ما تثيره لا يقف عند حدود بروست نفسه، بل يتعداه إلى سؤال أوسع عن مصير الأرشيف الأدبي في العالم المعاصر: من يملكه؟ المؤسسات الوطنية أم المجموعات الخاصة؟ ومن يحق له الاطّلاع عليه؟ بهذا المعنى، ما يجري ليس "حملة تبرعات" فقط، إنما تمرين عملي يتعامل مع الأدب مثلما يتعامل مع المعمار أو الآثار.

تعدّ رواية "البحث عن الزمن المفقود" لمارسيل بروست ملحمة أدبية فرنسية من سبعة أجزاء، كتبها بدءاً من عام 1905، وتتناول تجربة الراوي في استعادة ذكرياته وتأمّل أحداث الطفولة والمجتمع الفرنسي. يبدأ بروست بسرد تفاصيل دقيقة للحياة اليومية وعلاقات الأُسرة والجيران، ويبرز أثر الأحداث الصغيرة على الذاكرة، في حين يرمز المشهد الشهير لطعم كعكة المادلين إلى قدرة الحواس على استحضار الماضي. كما تستعرض الرواية صعود الطبقات الاجتماعية وهبوطها والتحولات الثقافية والسياسية في فرنسا، مع تقديم الشخصيات بدقة نفسية ودرامية.

مع ذلك واجهت الرواية مساراً معقداً قبل أن تُستقبل على نطاق واسع؛ نُشر الجزء الأول "جانب منازل سوان" عام 1913، على حساب المؤلف، بعد رفض دور نشر كبرى للنصّ الأولي. أعاد بروست تنقيح النصوص خلال الحرب العالمية الأولى، ونُشرت الطبعة المنقحة عام 1917، بينما صدر المجلد الثاني "في ظلال ربيع الفتيات" (À l’ombre des jeunes filles en fleurs) عام 1919 وحاز عنه جائزة غونكور. رغم التباين في الردود النقدية، ساهمت تنقيحات بروست الدقيقة في ترسيخ الرواية عملاً محورياً في الأدب الفرنسي الحديث.