المهاجرون الجزائريون في بلاد الشام... مواطنون عثمانيون أم رعايا فرنسيون؟
استمع إلى الملخص
- كتاب "المهاجرون الجزائريون إلى بلاد الشام" يوضح استيعاب العثمانيين لهجرة الجزائريين بعد الاحتلال الفرنسي، وتأثير العوامل الاقتصادية والسياسية في تعزيز الهجرة.
- واجه المهاجرون تحديات في الاندماج، واعتبرتهم فرنسا "رعايا فرنسيين"، مما أدى إلى صراع قانوني ودبلوماسي مع العثمانيين، وانتهى بوقوع سورية ولبنان تحت الاحتلال الفرنسي عام 1920.
تقدّم مجموعة من المهاجرين الجزائريين الذين استقروا في فلسطين حوالي سنة 1870، عريضة إلى وزير الداخلية العثماني مطالبين بإنصافهم وإنقاذ أراضيهم من الضياع، إذ يكشفون اتفاقاً أُبرم بين ابن الأمير عبد القادر الجزائري مع بعض الأطراف اليهودية لبيعهم أراضي تعود ملكيتها إلى مهاجرين جزائريين في قرى عولم ومعذر وشعارة وكفرسبت التي تتبع لمدينة طبرية، بالاشتراك مع شخصيات بارزة من جمعية الاتحاد والترقي في إسطنبول.
وثيقة مؤرخة في الثامن عشر من يوليو/ تموز 1910، تقدم تفاصيل مهمة عن مرحلة حرجة في تاريخ المنطقة ضمن مستويات مركبة؛ أولها يتعلّق بشخصية استغلت نفوذها لدى السلطة العثمانية بتزوير وثائق للسيطرة على أراضٍ ليست لها، وثانيها حول تعاون هذه الشخصية (الأمير علي) مع شخصيات عثمانية معروفة بعلاقتها مع الصهيونية لبيع تلك الأراضي لليهود بأثمان تفوق سعرها الحقيقي، بحسب الوثيقة التي تبرز أيضاً تحديات واجهت الجزائريين الذين تيقظوا لهذه المخططات وأصبحوا جزءاً أصيلاً من نسيج مجتمعات بلاد الشام.
على أهمية هذه الحادثة التاريخية إلا أن السياق الأوسع لها يبدو أكثر إشكالية كما يوضحه كتاب "المهاجرون الجزائريون إلى بلاد الشام.. شواهد من الأرشيف العثماني 1836-1920م" (المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2026)، للباحث عبد الله صلاح مغربي، في دراسة كيفية استيعاب العثمانيين لهجرة مواطنين كانوا جزءاً من إمبراطوريتهم قبل احتلالها من فرنسا عام 1830، وهو ما ترتبّ عليه مواجهة مع الفرنسيين على ولاءات هؤلاء المهاجرين، وسط تهديدات أكبر سيكون لها دورها في تغيير خريطة الشرق بعد سنوات.
المقاومة والنفي
يتعامل المؤلّف مع حوالي ثلاثمائة وثيقة غير منشورة ليس باعتبارها سرداً وصفياً لانتقال مجموعة سكانية ضمن موجات عديدة، بما تتضمّنه من سجلات إدارية أو مالية لممتلكاتهم وأنشطتهم الاقتصادية والاجتماعية، بل بما تشكل من شواهد تاريخية على تفاعل "ثلاث دوائر كبرى"، بحسب الكتاب، أولاها دائرة المقاومة والاقتلاع في الجزائر، وثانيتها إدماج الجزائريين في الشام، وثالثتها الصراع العثماني الفرنسي على النفوذ من خلال السعي لاستقطاب ولاءات الجزائريين. أخذت الهجرة طابعها الجماعي بعد أولى الهزائم التي تلقاها المقاومون أمام الاستعمار الفرنسي عام 1847، وحينها هاجر الزعيم أحمد بن سالم من شرق الجزائر إلى دمشق التي اختارها منفى له بعد محاكمته، وتضاف إلى ذلك عوامل اقتصادية تتعلّق بمصادرة الفرنسيين أراضي الجزائريين والتضييق عليهم خلال القرن التاسع عشر، حيث شهدت مدن جزائرية آنذاك زلازل وأمراضاً وهجوماً للجراد ومجاعات عزّزت دوافع الهجرة التي توزعت، وفق مراجع أخرى، إلى بلدان المغرب وفي مقدمتها المغرب وتونس، قبل أن يصدر الفرنسيون مرسوماً يمنع الانتقال إلى الأخيرة مطلقاً سنة 1864، مع فرض تشديد الرقابة على الحدود المغربية الجزائرية في فترة لاحقة، وإن لم توقف الهجرة تماماً، مقابل ظروف أخرى حكمت تهجير الجزائريين إلى فرنسا من أجل تجنيدهم في جيشها أو تشغيلهم في الأراضي والمصانع، لتتبعها موجات نزوح طوال العقود اللاحقة لأسباب متنوعة.
سهّل العثمانيون هذه الهجرات من خلال قنصلياتهم ووسطاء محليين
هنا، تأخذ الهجرة إلى الشام أبعاداً أخرى مع اختيار الأمير عبد القادر التوجّه إليها حصراً، محكومة لتصورات عقائدية لدى المهاجرين بمغادرهم وطنهم الذي يحكمه مستعمر كافر إلى ديار الإسلام، وهو ما سهلته السياسات العثمانية من خلال قنصلياتها في البلدان التي مروّا بها (تونس وليبيا ومصر)، بالإضافة إلى الوسطاء المحليين من تجار ووجهاء الذين نظّموا عمليات العبور وتوثيق موجات الهجرة قانونياً، ولا يغيب أيضاً دور بارز لعبته الزوايا الصوفية وفق الكتاب، الذي يشير إلى تأمين الاستقبال الأولي للمهاجرين وتسريع إدماجهم في مجتمعاتهم الجديدة وتحصنيهم أيضاً من محاولات الاستمالة الفرنسية، وفق الكتاب.
العلاقة مع السلطة والمجتمع
الدائرة الثانية تتصل بالاستيعاب وتوطين المهاجرين في الشام، والتي أتت في سياق كانت فيه بلدانها بحاجة إلى مزيد من السكان بفعل الحروب التي خاضتها السلطنة العثمانية وفقدت أعداداً كبيرة من جنودها العرب، ناهيك عن ضحايا الكوارث الطبيعية والأوبئة التي حلّت بالمنطقة، وبناء على ذلك تمّ منح الجزائريين الذي يمتلكون خبرات في الزراعة مساحات شاسعة من الأراضي "الميري" (ملكية الدولة) من أجل استصلاحها، على نحو يماثل الطريقة التي تعامل بها العثمانيون مع الشراكسة الذين تمّ ترحيلهم بعد تعرضهم للإبادة على يد الروس عام 1867، وفي كلتا الحالتين، تمّ كسب ولاءات الجزائريين والشراكسة الذين أقطعوا حيازات زراعية كبيرة، وتسلط إحدى وثائق الكتاب المؤرخة في 27 سبتمبر/ أيلول 1887، إشراكهم في إدارة الأراضي ومهام إحصاء السكّان وتنظيم الدفاتر والجداول الخاصة بتلك العمليات، وكذلك تمّ إعفاؤهم من الضرائب وعدم إلزام أبنائهم بالخدمة العسكرية حوالي عشرين عاماً. وتمركز الجزائريون في قرى الجولان والسويداء إلى جانب أحياء دمشق وحماة وحمص في سورية، وعمّان وعجلون في شرق الأردن، وقرى محيطة بطبرية وصفد والناصرة في فلسطين، وبيروت والبقاع في لبنان.
شكّل المهاجرون ورقة ضغط للفرنسيين من أجل تعظيم نفوذهم
الاندماج السريع للعائلات الجزائرية في مجتمعاتها الجديدة واجهته صعوبات عديدة كما تكشفها الوثائق، إذ تبادل الأمير عبد القادر وغيره من الوجهاء الجزائريين الشكاوى مع أهالي المناطق التي سكنوها، وصلت إلى حدود التصادم المباشر أحياناً بسبب الخلافات على ملكية الأراضي الزراعية، وانصب اهتمام الدولة العثمانية على احتواء هذه النزاعات دون إغفال انحيازها لأحد الطرفين بالنظر إلى طبيعة مصالحها وسياق كل حادثة.
صراع دولي
اعتبرت فرنسا المهاجرين الجزائريين في بلاد الشام "رعايا فرنسيين في أراض عثمانية" رجوعاً إلى المراسيم التي أصدرتها منذ احتلالها الجزائر، لكن الدولة العثمانية لم تعترف بهذا الاحتلال وأصدرت قرارات تؤكد أن الجزائر لا تزال جزءاً من أراضيها. اتخذ هذا النزاع القانوني مواجهة مستمرة على أرض الواقع، إذ واصلت القنصلية الفرنسية في الشام وبيروت تدخلها لحماية بعض العائلات الجزائرية واستمالتها من خلال الامتيازات المالية، بينما ردّ العثمانيون بتجنيس الجزائريين وتثبيت حقوقهم.
وراء هذا المشهد، شكّل المهاجرون الجزائريون ورقة ضغط للفرنسيين من أجل تعظيم نفوذهم داخل السلطنة التي كانت تعيش أواخر أيامها، ففي مذكرة أرسلتها السفارة الفرنسية في إسطنبول إلى وزارة الخارجية العثمانية عام 1888، تشترط تسوية نهائية لهذا الخلاف تقضي بالاعتراف بجميع الجزائريين المسجلين لدى القنصليات الفرنسية باعتبارهم رعايا فرنسيين، ليأتي الرد من موظف الباب العالي بأن الموضوع قيد الدراسة. وتظهر وثائق أخرى تضمّنها الكتاب تدخلات مباشرة من قبل الفرنسيين لحماية رعاياهم، ما يضطر العثمانيين إلى القبول بتفاهمات حول هذه القضية، إذ تبين إحدى الوثائق المؤرخة في عام 1912، إرسال الداخلية العثمانية بيانات المهاجرين الجزائريين المقيمين إلى القنصلية الفرنسية ضمن توافقات دبلوماسية بين الطرفين تتعلق بمراقبة أوضاع المهاجرين. وفي وثائق أخرى، تتكشف تفاهمات أخرى تم إبرامها، وتتيح للفرنسيين مزيداً من التدخل بذريعة حماية رعاياهم، لتنتهي المرحلة التي يدرسها الكتاب بوقوع سورية ولبنان تحت الاحتلال الفرنسي بحلول عام 1920، عقب هزيمة العثمانيين في الحرب العالمية الأولى.