استمع إلى الملخص
- الزراعة والعلم: يُظهر الفلاحون في المنطقة التي عشت فيها فهمًا عميقًا لقوانين الطبيعة، حيث يعتمدون على دورات زراعية علمية دون معرفة مسبقة بالعلوم الزراعية، مما يعكس توازنًا بين العلم والتقاليد.
- نقد التفكير الخرافي: يُنتقد التفكير الخرافي الذي يُروج له بعض السياسيين والاقتصاديين والروائيين في سوريا، حيث يُعتبر معاديًا للعلم والتقدم، ويُحوّل المجرمين إلى أبطال والأغبياء إلى قادة.
مع الترجمة الأولى لرواية ماركيز "مئة عام من العزلة"، بدا لي دائماً أنّ أبرز ما قدمته الرواية العجائبية، التي وصلت إلى ثقافتنا في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، هو أنها أعادت تعريف الواقع، يمكنني القول إنها أعادت تعريفنا بالواقع، أي بواقعنا، وبالبشر الذين نعيش بينهم. فالنظريات السياسية التي كانت سائدة، عمدت إلى نفي الناس من الحقيقة والعلم، ووضعهم في جورة الخرافة. كان هجاء الخرافة، ومن بينها الحكايات الشعبية، والسير، والشعر العامي، أحد روافد البرامج التعليمية التي تعممها نظريات سياسية تدعي أنها علمية. لم يكن هجاء للخرافة في الوعي العادي فحسب، بل هجاء لكل الجيل غير المتعلم الذي سبقنا، جيل آبائنا، وأجدادنا. انساق الجميع وراء كتلة من السياسيين زعموا أننا لا يمكن أن نتقدم، إلا بالتخلص من حكايات آبائنا. بدا أن على الواقعية أن تخترع واقعاً ملائماً للسياسة "العلمية"، أو تبني مقولاتها على إدانة الحياة التي يعيشها أبطالها، كي تبشرهم بحياة أخرى يسودها العلم وحده. مفهوم العلم نفسه كان غامضاً، إذ لم يقدم السياسي، أي ترجمة عملية للعلم، وإنما مجرد نظريات مستمدة من الكتب التوجيهية.
أكثر من يُتهم بالتفكير الخرافي هم الفلاحون: المتأمل، والمدقق في حياة الفلاحين، في المنطقة التي عشت فيها، سوف يتأكد من أنهم كانوا يزرعون محاصيلهم وفق قوانين الطبيعة، لا مواعظ الحكايات الخرافية. ففي مكان يعتمد اعتماداً كلياً على العلاقة الخصبة بين الأرض والسماء، يتعلم الفلاح أن زراعة المحاصيل البقولية، تعني أن جذورها تترك غذاء في التربة، تستفيد منه زراعة الحبوب في السنة الزراعية التالية، سوف يسمي العلماء ذلك الغذاء فيما بعد بالنتروجين أو الآزوت. ولهذا يقسم فلاحو القرية باتفاق مدهش الأراضي الزراعية إلى ثلاث واجهات: الأولى لزراعة البقوليات، والثانية لزراعة القمح والشعير، والثالثة تترك لراحة التربة. دورة زراعية تعتمد على قوانين "علمية" لا يعرف الفلاح غير المتعلم فيها شيئاً عن علوم الزراعة. أعتقد أن هذا النهج ظل مستمراً منذ بدأت الزراعة في هذه المنطقة، ثمة أقنية للري موجودة في المنطقة تعتمد على المياه التي تجود بها السماء أيضاً.
التفكير الخرافي يجعل من المجرم بطلاً، ومن الأحمق قائداً
فكرة الرواية العجائبية تقول إن الفلاح الذي تعلم أن يزرع الأرض بناء على قوانين السماء والأرض، لا قصص العجائب، وأن حراثة الأرض لا تنتظر تنيناً خرافياً، بل حميراً أو ثيراناً أو بغالاً لجر المحراث، وأن سكة هذا المحراث الحديدية المصنوعة من الفولاذ هي التي تصنع الأثلام في الحقل الزراعي، لا أسنان الغول، هذا الفلاح يبتكر الحكاية التي يرويها في الليل، في سهراته مع أولاده، أو أحفاده، في محاولة باسلة، لهزيمة العتمة من جهة، أو لمحاولة إعادة تفسير العالم من حوله، أو تمتين صلاته به. أما التفكير الخرافي، فهو معاد للعلم والتقدم.
التفكير الخرافي يحمله اليوم في سورية سياسيون، واقتصاديون، وروائيون أيضاً، يعتقدون أن البطل يمكن أن يحل مشكلات الاقتصاد والطب والهندسة، أو أنّ القائد يمكن أن يبني دولة بمجموعة من الأدعية، وقراءة المزامير... التفكير الخرافي يجعل من المجرم بطلاً، ومن الأحمق قائداً.
* روائي من سورية