الترجمة والذكاء الاصطناعي.. هوية الإنسان وخوارزمياته
استمع إلى الملخص
- غسان مراد أشار إلى محدودية المحتوى العربي وأهمية بناء مسارات للترجمة العلمية لتعزيز العدالة المعرفية، مؤكداً على ضرورة تزويد الذكاء الاصطناعي ببيانات عالية الجودة.
- عبد الحق الزموري تناول الجانب الفلسفي للترجمة، مشيراً إلى دور المترجم الإنساني في حفظ دقة المعنى، وطرح تساؤلات حول قدرة الآلة على التفكير.
لم تعد الترجمة تقنية نقل المعنى بالشكل البدائي الذي عرفناه مع "غوغل ترانسليت" والذي طوّر نفسه تدريجياً، إلى أن جاء الذكاء الاصطناعي المتسارع حالياً، فوضعنا في ساحة اختبار لسؤال أعمق يتعلّق بموقع الإنسان في زمن الخوارزميات. وجد المترجم نفسه مدعواً إلى إعادة تعريف دوره شريكاً ينتج المعنى في مواجهة آلة تتعلّم من دون تجربة إنسانية. في هذا السياق، نظّمت جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي صباح أمس الثلاثاء في الدوحة، ندوة "الترجمة والذكاء الاصطناعي" ضمن الفعاليات الثقافية التي رافقت حفل تكريم الفائزين في دورتها الحادية عشرة.
هدفت الندوة إلى مقاربة أثر التحولات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي على مهنة الترجمة، وتحليل ما تتيحه الأدوات الذكية من فرص دعم، في مقابل الأسئلة المعرفية والثقافية والأكاديمية التي يفرضها هذا التحول على البيئة العربية. استهلّت الندوة بمداخلة مصطفى جرّار أستاذ الذكاء الاصطناعي في جامعة حمد بن خليفة بعنوان "أدوات ذكية ومصادر معجمية مفتوحة المصدر لخدمة الترجمة والتعريب"، عرض فيها مجموعة من الموارد الرقمية المفتوحة المخصّصة لخدمة اللغة العربية، من محركات بحث معجمية ومعاجم حاسوبية وأنطولوجيات دلالية، ومدونات متخصصة للعربية ولهجاتها، إلى جانب أدوات للتحليل الصرفي والدلالي واستخراج الترجمات والمترادفات آلياً.
قدّم جرّار هذه الأدوات في سياقها التطبيقي بوصفها بنية داعمة لمسارات التعريب والترجمة وقال إن "علينا التمييز بين ذكاء اصطناعي قديم وآخر حديث والذي نسميه التوليدي"، لافتاً إلى أن لغة الخطاب حتماً ستتأثر بتشات جي بي تي مثلاً إذا استخدم يومياً ساعات طويلة. خلاصة جرار في هذه النقطة أن ما يمكن اعتباره "غسل دماغ" ناتج بوضوح من هذه العلاقة بين مستقبل الخطاب وآلة إنتاجه أو الشريكة في إنتاجه والذي صنع الآلة وبرمجها.
دعوة إلى بناء مسارات للترجمة العلمية والتقنية تعزّز العدالة المعرفية
توقّفت مداخلة غسان مراد الباحث في حوسبة اللغة والذكاء الاصطناعي والإعلامي الرقمي في الجامعة اللبنانية عند محدودية المحتوى العربي في الفضاء الرقمي قياساً بعدد الناطقين بالعربية، وانعكاس ذلك على التعليم والترجمة والبحث العلمي.
وتحت عنوان "الترجمة والذكاء الاصطناعي فجوات معرفية وأكاديمية في المشهد العربي"، دعا غسان مراد مراد إلى بناء مسارات واضحة للترجمة العلمية والتقنية تعزّز العدالة المعرفية، وتزوّد الذكاء الاصطناعي العربي ببيانات عالية الجودة. بدأ حديثه بعبارة: "الذكاء الاصطناعي تكرار والذكاء البشري ابتكار"، لكنه ألحقها بـ"حتى الآن"، بما يشي بمختبئ ومجهول وتطورات كانت في السابق تنتظر عقداً أو عقداً ونصفاً وهي تقع ما بين ثلاثة وستة أشهر. وتساءل المتحدث: ماذا علينا أن نفعل بالذكاء الاصطناعي، ولكن أيضاً ماذا يفعل بنا الذكاء نفسه؟ وحين نتحدث عن الترجمة البشرية والآلية فإن مقولة مراد تقوم على أن اللغة بألف خير، ولكن استخدام العرب لها ليس بخير، مشيراً إلى أن الإمكانات التي تنطوي عليها العربية في بناء الصور الذهنية من نحت واشتقاق تجعلها قادرة على التعبير عن كل شيء في العالم.
وختم المتحدث بالقول إن حيازة الحواسيب والألواح لا تعني شيئاً، بل علينا أن نبني فرداً محترفاً يعرف كيف يتعامل معها، وكيف ينطلق من ثقافة الاستهلاك إلى الإنتاج من خلال استخدام البيانات والمعلومات بغية بناء معرفة جديدة. كما أن الاعتماد على الغرب فقط في نشر ثقافتنا في أغلب الأحيان يخفي في ترجماته ما قدمته الثقافة العربية للعالم، لذلك علينا أن نرقمن ونترجم المخزون الثقافي العربي، على حد قوله.
هوية المعنى على جانب التخصص التقني وبما يضيء منطقة بحث جديدة جاءت مداخلة عبد الحق الزموري، الباحث في التاريخ الوسيط وتاريخ الذهنيات بعنوان "الذكاء الاصطناعي وفن الترجمة هوية المعنى أم صراع الإرادات". تناول فيها السؤال الفلسفي للترجمة في زمن الذكاء الاصطناعي، متوقفاً عند حدود النماذج الآلية في نقل المعنى العميق والحمولة الثقافية للنصوص، ولا سيما الفلسفية منها.
أشار الزموري إلى أن الترجمة ممارسة تأويلية يقوم فيها المترجم الإنساني بدور أساسي في حفظ دقة المعنى وحيوية النص. وطرح المتحدث سؤالين: إذا كان تفكيك ادعاءات خطاب الذكاء الاصطناعي وتغيير البارديغم (الإطار المرجعي) الذي تتحرك فيه وظيفة الذكاء البشري سيكون قادراً على نزع السحر عن الآلة وإعادة العلاقة بينها وبين الإنسان إلى طبيعتها المتناسقة؟ هل يمكن للآلة أن تفكر؟ وقال إن هذين السؤالين كانا صرخة أطلقها أحد آباء الذكاء الاصطناعي عالم الرياضيات البريطاني ألان تورينغ عام 1950. وبحسبه "يبدو أننا لم نغادر ذلك المربع بعد. أي ذلك التساؤل وذلك الاهتمام".
وفي خلاصة لافتة حول الترجمتين البشرية والآلية، قال الزموري إن العلة الأنطولوجية بالمعنى الفلسفي لا الحاسوبي، تقضي بأن الذكاء الاصطناعي مرتبط بالنسبي، أي بالإنسان، بينما الإنسان مرتبط بالمطلق أي بالله، وعلى ذلك، فبالنسبة إليه، إن أي مقارنة بين البشري والآلي مغلوطة من الأساس.