إعلان جبهة ثقافية ضد اليمين الفرنسي المتطرف
- وقع على بيان المجلة شخصيات بارزة مثل آني إرنو وتوماس بيكيتي، مشيرين إلى خطر السيطرة اليمينية على الإعلام والثقافة، خاصة مع استحواذ فانسان بولوريه على مؤسسات نشر رئيسية.
- رغم المخاوف، يرى البعض أن السوق الثقافية لا تزال متنوعة، وأن جهود المنابر المناهضة لليمين المتطرف، مثل "ميديا بارت"، تحد من تأثير السيطرة اليمينية.
تحت عنوان "من أجل جبهة ثقافية مناهضة لحزب التجمع الوطني RN"، حذرت مجلة Les Inrockuptibles الفرنسية من تصريحات قادة الحزب ضدّ الثقافة الفرنسية المعاصرة والعاملين فيها. البيان الذي صدر عن المجلة اليسارية منذ أيام، ولا يزال التوقيع عليه مفتوحاً، يشير بوضوح إلى جوردان بارديلا رئيس التجمع الذي يشن هجمات متكررة ضد الفن المعاصر، ويعتبر أن التراث الفرنسي أفضل من هذا الفن. كما أنه يستهدف أفلام المؤلف التي لا تحقق نسب مشاهدة مرتفعة، وبات يكرر هجماته في أحاديثه على ما يسميه "اليسارية الثقافية"، وعلى مشهد موسيقى البوب والراب الفرنسي الشاب، وفناني تيار "اليقظة" والمتحولين و"اليسار الإسلاموي".
بيان المجلة الذي يدعو للتعبئة في مواجهة الخطر الذي يتهدد المشهدين الثقافي والفني وقّعت عليه شخصيات معروفة، مثل الروائية الحاصلة على جائزة نوبل للآداب آني إرنو والعالمة اللغوية والفيلسوفة باربرا كاسان والفيلسوف إتيان باليبار وعالم الاقتصاد توماس بيكيتي والمؤرخ إنزو ترافيرسو والكاتب آلان داماسيو وغيرهم. وهو لا ينفصل عن سياق أوسع يتشكّل في فرنسا منذ سنوات؛ فقبل عامين نشر موقع StreetPress دعوةً إلى "جبهة مشتركة لوسائل الإعلام" في مواجهة اليمين المتطرف. وكان التركيز حينها على حرية الصحافة، ومخاطر الضغط السياسي، وأيضاً تحوّل ملكية وسائل الإعلام إلى أداة نفوذ.
وقّع على البيان آني إرنو وباربرا كاسان وتوماس بيكيتي وغيرهم
من جهة أخرى، تتكثف البيانات كلما اقترب الشارع الفرنسي من استحقاقات انتخابية. لكن المعركة اليوم تأخذ مدى أوسع، إذ تجاوز الإعلام والثقافة كونهما ساحتي تعبير، وباتا ساحتي صراع على المعنى والاتجاه. كما أن هذا الموقف يصطدم بتعقيدات الواقع الراهن، خاصة بعد إحكام شخصياتٍ لا تُخفي موالاتها لليمين المتطرف قبضتها على مفاصل إعلامية وثقافية كبرى؛ وفي مقدمتها رجل الأعمال فانسان بولوريه، الذي أعاد رسم خريطة النفوذ داخل المشهد الإعلامي والثقافي من خلال استحواذه على مؤسسات نشر عديدة، الأمر الذي جعل الهواجس تتجاوز الإعلام إلى ما هو أعمق، فمن يمتلك هذه المؤسسات يتحكم بأدوات إنتاج السرد نفسه.
الحديث عن تعبئة من أجل "معركة ثقافية" يستدعي، على نحو صريح أو ضمني، إرث الجبهة الشعبية (اليسارية) عام 1936، حين التقى المثقفون والسياسيون في مواجهة خطر اعتُبر وجودياً متمثلاً في الفاشية. غير أن الفارق اليوم يكمن في أن الصراع انتقل من الشارع أو البرلمان إلى داخل المؤسسات الثقافية نفسها.
في المقابل، يرى البعض أن ثمة مبالغات واضحة في الحديث عن تحوّلات كبيرة يمكن لسيطرة اليمين أن تُحدثها، إذ ترى تحليلات أن السوق الثقافية لا تزال متعدّدة، وأن منطق المنافسة والاعتراف الأدبي والإعلامي يحدّ من أي توجيه أحادي. كما أن الجهود التي تُبذل في المنابر المناهضة لليمين المتطرف التي تتمتع بانتشار واسع، مثل منصة "ميديا بارت" التي تُقدّم تحليلات معمّقة للأثر المحتمل الذي يمكن أن تُحدثه السيطرة في الحياة العامة، تعطي إحساساً بأن اليمين لن يستطيع خوض المعركة بسهولة مع المثقفين، رغم استحواذاته الإعلامية والثقافية.