استمع إلى الملخص
- يمنح موران الغموض دوراً إيجابياً في العملية المعرفية، حيث يساهم في تعزيز الفهم الأعمق للوجود الإنساني، مشيراً إلى أهمية التوازن بين العقلانية والتأملات الذاتية.
- يسلط موران الضوء على الأزمة التعليمية العالمية، مؤكداً على أهمية تعليم الأفراد كيفية العيش وتعزيز استقلاليتهم المعرفية، مع الاعتراف بالجهل والغموض كجزء أصيل من الواقع.
لا يكتفي إدغار موران بتوضيح العلاقة الأزليّة بين المعرفة والجهل، بل يكشف أهمّيتها في سياق العصر الحديث ضمن عالم يشهد انفجاراً معرفياً بفضل التقدّم العلمي والتقني غير المسبوق، وفي الوقت عينه، يعرف أزمات وتعقيدات عالمية تجعلنا ندرك محدودية فهمنا، ما يصنع مفارقة جديرة بالانتباه.
الجهل ليس عدواً
لا يعترف المؤلّف بالمفاهيم الشعبية السّائدة عن الجهل والغموض عبر العصور، إذ لا يرى فيهما نقيضين للمعرفة بل جزءاً منها، وينطلق في أطروحته هذه من أنّ المعرفة تطوّرت وتوسّعت بشكل كبير اليوم، بحيث لا تمكن الإحاطة بها إلا جزئياً، وإذ تُعد المعرفة البناء الإنساني المستمر للفهم، فإن هذا البناء يعتمد على الجهل، الذي يتحوّل من مجرد نقص يجب القضاء عليه إلى قوّة تغذي السّعي المعرفي. أما الغموض، فيُشكّل المجهول الذي يحيط بالعلاقة بين المعرفة والجهل.
وانطلاقاً من هذه الرُّؤية، تشكل مفارقةُ التقدّم الموضوعَ الأبرز في الكتاب، إذ يتبنّى موران المقولة الكلاسيكية المنسوبة إلى فريدريش شليغل "من تزداد معرفته يزداد جهله"، ويؤكد أنها ليست مجرد تأمل شاعري، بل حقيقة ثابتة وحاضرة في العلوم الحديثة.
يرى موران أن التقدم المتسارع للعلوم، خاصة علوم الكون والفيزياء، يجسد هذه المقولة على أكمل وجه، فكل تقدم في العلوم ينتهي بالضرورة إلى اكتشاف جهل جديد. هذا الجهل الناتج عن التوسع المعرفي ليس فشلاً، بل هو مؤشر إلى أن العالِمَ أو الباحث لمس إحدى القضايا الجوهرية في نظرية المعرفة، وهي قضية مستمدة من إرث هيراقليطس الفكري، وتشير إلى أن المعرفة التي لا تُنتج جهلاً جديداً هي معرفة ثابتة لا تثير أسئلة جديدة، وتؤدي إلى الاكتفاء بما هو موجود بدلاً من السّعي وراء المزيد من الفهم. وبهذا، يُصبح الجهل قوة في العملية المعرفية، تدفع للمزيد من الاكتشاف، ما يمنع التصلّب المعرفي ويحافظ على ديناميكية البحث والتجديد.
هل يقود الغموض إلى اليقين؟
يمنح المؤلف الغموض دوراً إيجابياً ومحفزاً، ويوضّح أن التقليل من شأنه يُسهم في تفويت الوعي بالقِوى الغريزية والوجودية واللاواعية التي تؤثر في فهم الوجود الإنساني بصورة أعمق، ما يعني أن هذه القوى الغامضة يجب أن تكون جزءاً من نظرية المعرفة، بدلاً من إقصائها تحت شعار العقلانية الصارمة.
هناك أزمة تعليمية عالمية، أساسها أزمة الحضارة الغربية نفسها
وبهذا، يؤكد موران الوظيفة المعرفية للغموض، فهو يغذّي الرغبة في المعرفة، ويضمن استمرارها بوصفها عملية حية وتفاعلية، أي أنّ البحث المعرفي ينتج في سياق ثقافي وبيولوجي ووجودي، يسهم في تحديد شكل المعرفة الناتجة. هذا الجانب يبرّر دمج الغموض الذي تتسم به المشاعر الإنسانية والتأملات تجاه العالم والحياة، مثل عناصر حقيقية تنتمي إلى نظرية المعرفة، فالتّناغم بين ما هو منهجي وعلمي وما هو وجودي وغامض يعد تجسيداً للممارسة العلمية العابرة للتخصصات التي يدعو إليها موران في كتابه، إذ توفّر جميعها المجال لفهم العلاقة بين العقل والعاطفة والغريزة في إطار السعي إلى المعرفة ضمن مختلف المجالات.
ويترك هذا كله تساؤلاً حول اختلاط المعرفة باليقين، لأن التأملات الوجودية والأحاسيس الإنسانية التي يضعها موران في خانة الغموض لا تُسهم في توليد الشك وطرح الأسئلة فقط، بل ربما تقود أيضاً إلى يقينيات وأيديولوجيات يطرحها البشر على أنّها نوع من الخلاص الذي يتطلّب الاكتفاء باليقين والتّصديق المطلق لما يطرحه هذا الخلاص، ما يؤدي ربما إلى جمود في المعرفة.
للحقيقة وجه آخر
يشير موران إلى أن العالم أصبح أكثر تعقيداً في الوقت الذي تزايدت فيه المعلومات بشكل هائل، بل إن البشرية، برأيه، أصبحت اليوم "مجتمع مصير"، أي مجتمعاً يواجه أزمة حقيقية تحتاج إلى تغيير فكري كبير.
هذه الأزمة محورها ثقافة المعلومات المجزأة، إذ يتميز عالمنا بضخ كميات هائلة من البيانات عبر وسائل متنوعة، دون تحقيق الفهم المُستَحَقِّ لها، وهذا الفهم لا يستند إلى العقل وحده فقط، ولا إلى إيجاد أساليب لمعالجة معضلة السرعة في تلقي المعلومات الكثيرة التي يتعرض إليها الفرد كل يوم، في المدرسة والجامعة والعمل والحياة.
ولأن الحلول لا يمكن أن تبدأ في كل مكان، وفي جميع مفاصل الحياة البشرية، يرى المؤلّف أن أنظمة التدريس هي المكان الأمثل للبدء في تعميق الفهم، منطلقاً من أن هناك أزمة تعليمية عالمية، أساسها أزمة الحضارة الغربية نفسها، التي سببها فرض سيادة العقل وعدم الاعتراف بأن المشاعر والغريزة تسير جنباً إلى جنب مع العقل في إنتاج المعرفة.
معرفة لا تُنتج جهلاً جديداً هي معرفة جامدة لا تحفز التعلم
وهنا، يؤكد موران أن تعليم الناس كيفية العيش يمكن أن يعزّز الاستقلالية المعرفية للأفراد، أي أنّ بحث الفرد عن المعرفة يمكن له أن ينطلق من رغبته وحماسته في الوصول إليها، لا تلقينه إياها وفق يقينيات علمية وأكاديمية، تهمل الجانب الذاتي للإنسان وتأملاته.
إذاً، هناك وجه آخر للحقيقة المرتبطة بالفهم المعرفي في زمننا، وتكمن في أنه ليس فهماً جماعياً يتحقّق عبر مجموعة من القوانين والحقائق العلمية فقط، ففي حين أن الجهل والغموض والتأملات الذاتية هي جزء أصيل من الواقع ولا يمكن إنكارها، فإنّ الاعتراف بها يعد بداية الخروج من الأزمة، ومنح الإنسان الثقة بفرديته المعرفية إذا صح التعبير.
يدعو إدغار موران الإنسان للتّفكير في الجوانب الأخلاقية والثقافية التي لا تتنافى مع امتلاكه المعرفة، ما يضع هذا الكتاب في سياق التّجربة الفكرية الطويلة للكاتب والمفكّر الفرنسي، الذي يعدّ أول كتبه "الإنسان والموت" (1951) مثالاً على منهجيته في تحصيل المعرفة عبر منظور عابر للتخصّصات، إذ تنقل بين البيولوجيا والدين والتاريخ وعلم النفس والأدب بحثاً عن فهم متكامل لموضوع الموت.
* كاتب ومترجم من الأردن