استمع إلى الملخص
- القصيدة تتحول إلى عالم مائي مليء بالصور مثل السحاب والغيوم، حيث يصبح المطر العنصر السحري والأسطوري المتكرر في كل بيت، مما يجعله صميم القصيدة.
- تستدعي القصيدة مواضيع متعددة مثل الخليج والطفولة والأم، لكنها تركز على العراق، حيث يصبح المطر رمزًا للحنين والطفولة، مما يربط بين الماضي والحاضر.
يمكننا أن نسمي "أنشودة المطر" قصيدة بدر شاكر السياب، معلّقة، من دون أن ننسى أن هذه التسمية تردّنا إلى أوائل الشعر العربي، إلى المطولات الشعرية العصماء في الشعر الجاهلي. داعينا إلى ذلك هو أن أنشودة المطر، مثلها مثل المعلّقات، لا تقف عند موضوع واحد، ولا حالة واحدة، ولا مجرد لحظة أو ميقات، بل هي سفرٌ شعري كامل، في الحياة وفي الوقت وفي الموضوع وفي الجوّ وفي الخيال وفي الحكاية. تبدأ "أنشودة المطر" بـ"عيناك غابتا نخيل ساعة السحر/ أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر".
بداية هنا مخاطبة لامرأة تردّنا إلى ما يشبه الاستهلال بالغزل في القصيدة الجاهلية، لكن المرأة التي تبدأ القصيدة من عينيها، لا تبقى عندهما، بل هما، وقد اتصلا فوراً بالغابة والنخيل، وبعدهما الشرفة والقمر، تتحوّلان إلى وقفة عند مكان، هو أيضاً في لحظة أفول. الغزل هنا لا يكتمل، بل هو يمازج لحظة على وشك الانحسار والغياب، إنها في البيتَين السالفين في آونة فراق، أو هَمٍّ بفراق. لنا عند ذلك أن نتذكر تلك البدايات الشهيرة في العصماوات الجاهلية، البدايات التي هي أيضاً البكاء على الأطلال. المكان السياسي ليس طللاً بالطبع، لكنه أيضاً مصوغ في عبارة تجمع بين المكان والوقت.
عنوانٌ تنهمر منه القصيدة لكنه أيضاً الأفق والغرض والمجال
إن للسَّحَر ساعته وللقمر غيابه. لسنا هنا إلا أمام استحضار حديث، لما يشبه الروح السالفة. لن نتكلّم بالطبع عن طللية راهنة، لكننا ونحن نتابع القصيدة، نقع على لحظة أُخرى، إنها للرقص "وترقص الأضواء"، "كالأقمار في نهار"، لحظة ليست آفلة، أما ساعة السَّحَر فهي هذه المرة قريبة من الرقص "يرجّه المجداف وهناً ساعة السحر"، والعينان اللتان بدأ بهما القصيدة "تنبض في غوريهما النجوم"، وسيكون لهما أن تغرقا مع ذلك في "أسى شفيف". نحن بالطبع لم نعد في مناخ البيتين الأوّلين، لكننا مع ذلك لا نبتعد بالكامل عن المعلّقة الجاهلية، تلك التي لم تكن لتقف عند البكاء الأول، لم تكن لتبقى في اللحظة نفسها. إنها قصيدة شاملة، قصيدة تُزاوج بين مفترقات شتّى. إنها إذ تبدأ بالفراق، سرعان ما يردّها ذلك إلى ما قبله، إلى المشاهد والأوقات والأحداث، التي هي مغامرة كلّ يوم. إذا كانت تستهل بالبكاء، فإنها لا تغفل الحبّ والسُّكر والصيد والأشياء والحيوانات والأوقات الأُخرى.
يعود السياب في مطوّلته، إلى ما يفترق عن البداية. القصيدة التي بدأت بالغابة والنخيل، سرعان ما تغدو مائية. سرعان ما تنعقد كوكبة من الصور والإشارات والمفردات، السحاب والغيوم والخليج. جميعها تلتمّ حول مفردة لا تفتأ تُستعاد وتتكرر، إنها المطر. المطر الذي تنهمر به القصيدة، وتكاد تنتشر حوله وتهجس به، هو العنوان، لكنه أيضاً الأفق والغرض والمجال. لا نعرف كيف تصل القصيدة إلى ذلك، كيف يغدو موضوعها وصلبها وهاجسها، بل هو سحرها وأسطورتها. لقد عثرت القصيدة عليه، وجدت نفسها فيه، اصطادته على طريقها، ولم يلبث أن صار صميمها وداخلها. كأنما خرج هذا للشاعر من لاوعيه، كأنه استولى عليه من دون أن يصمم لذلك، ومن دون أن يتوخاه.
نحن لا نلبث بعد ذلك نستعيده، بيتاً وراء بيت، مقطعاً بعد مقطع، وكأنه يخرج من نفوسنا وداخلنا، وكأننا نصيره ونجد حالنا فيه. نحن بالطبع لن نفكّر توّاً بالمعلقات، فليس للمعلقات هذه الأسطورة. لكن المعلقات لا تنتقل، بين موضوعاتها الكثيرة بقصد واضح، أو بدرجات متصلة، أو بتتابُع منظّم، أو بأي درجة من الترتيب. هذه الموضوعات ترد من نفسها، وكأنها ابنة لحظتها، إنها تصدر عن حياة شاملة. "أنشودة المطر" لا تصل فقط إلى أسطورتها المطرية، إنها تستدعي أثناء ذلك ما يتداعى منها، الخليج بخاصة. لكنها أيضاً ترتدّ إلى زمن سالف، إلى طفولة وإلى أُمّ، لكن المدى الأشمل الذي يكاد مطرها يتقطّر فيه، تكاد أنشودتها تتنغم فيه، هو العراق. إذا كانت المعلقات تبدأ بالحنين الطللي، فإن أنشودة المطر التي بدأت بما يقاربه، لا تلبث أن تبني هيكلاً طللياً، لا تلبث أن تجد أنشودة للمطر، حنيناً للطفل، هما العراق وكلّ ما يتداعى منه.
* شاعر وروائي من لبنان