أرشيف شامبليون من كوليج دو فرانس إلى متحف كاميل كلوديل
- يعكس التمثال تجربة بارتولدي البصرية في مصر عام 1855، حيث تأثر بالعمارة الفرعونية، ويعرض المتحف العمل الفني مع مواد أرشيفية ورسوم أصلية.
- أثار انتقال التمثال نقاشًا حول النصب العام والرموز التاريخية، ويعرض المتحف العمل ضمن سياق إنتاجه الثقافي وتأثير رحلة بارتولدي إلى مصر.
في مدينة نوجان-سور-سين الفرنسية، يعيد متحف "كاميل كلوديل" فتح سيرة تمثال خرج من صلابة الرخام إلى منطقة الأسئلة، ضمن معرض "بارتولدي، شامبليون وأبو الهول"، Champollion et le sphinx، الممتد من الحادي عشر من الشهر الجاري إلى 19 يوليو/ تموز المقبل. العمل الذي أنجزه أوغوست بارتولدي لتمثيل جان فرنسوا شامبليون يغادر موقعه السابق في ساحة الشرف داخل كوليج دو فرانس في الحي اللاتيني بباريس، حيث كان مثبتاً في الفضاء الداخلي للمؤسسة منذ بدايات القرن العشرين، قبل أن يُنقل في الرابع من فبراير/ شباط الماضي إلى متحف "كاميل كلوديل" لأسباب تتعلق بالحفاظ عليه، مع الإبقاء على نسخة لاحقة في الساحة نفسها.
يستند التمثال إلى شخصية شامبليون، عالم المصريات الذي فكّ رموز الهيروغليفية سنة 1822 اعتماداً على "حجر الرشيد"، وهو إنجاز أعاد فتح النصوص المصرية القديمة أمام القراءة الحديثة. غير أن انتقال هذه المعرفة من مجالها اللغوي إلى التمثيل النحتي لدى بارتولدي حوّلها إلى بنية رمزية مركّبة، تتقاطع فيها صورة العالم مع صورة "فاتح المعرفة" كما صاغها خيال القرن التاسع عشر الأوروبي، في لحظة كانت تتم فيها استعادة الحضارة المصرية داخل خطاب بصري أوسع يتصل بالاكتشاف والتملك وإعادة التفسير.
بارتولدي، الذي زار مصر سنة 1855 برفقة الرسام جان ليون جيروم، عاد محمّلاً بتجربة بصرية مباشرة للنيل والمعابد والعمارة الفرعونية، غير أن هذه التجربة لم تُترجم إلى توثيق صرف، فقد اندمجت في لغة نحتية تستعير من الأكاديمية الأوروبية صرامتها، كما تنهل من الشرق الذي رآه خيالها مادته الرمزية. من هذا التداخل ولِد تمثال شامبليون، الذي يظهر فيه واقفاً في وضع تأمل، تتكثف فيه فكرة المعرفة باعتبارها فعل قراءة للعالم تتجاوز الاشتغال اللغوي أو التاريخي.
التمثال يقدم اليوم داخل شبكة وثائق ورسوم ومراحل تحضيرية تكشف مسار تشكّله منذ الفكرة الأولى إلى استقراره في الفضاء العام. كما يعاد وضعه ضمن سياق إنتاجه الثقافي، حيث كانت الأنصاب العامة في القرن التاسع عشر تؤدي وظيفة مزدوجة، تخليد الشخصيات العلمية والفكرية، وبناء سردية بصرية عن التاريخ كما كانت تتخيله أوروبا في تلك المرحلة.
ساحة كوليج دو فرانس، التي احتضنت العمل لعقود، تقع في قلب الدائرة الخامسة بباريس داخل الحي اللاتيني، وهو فضاء أكاديمي كثيف يرتبط بتاريخ طويل من إنتاج المعرفة في فرنسا. وجود التمثال هناك منحَه وظيفة رمزية مرتبطة بالمؤسسة العلمية نفسها، قبل أن ينتقل إلى المتحف في إطار عملية تهدف إلى حفظه وإعادة تقديمه ضمن شروط عرض أكثر ملاءمة.
هذا الانتقال أعاد تنشيط طبقات من النقاش حول معنى النصب العام وحدود حضوره في الفضاء المدني، وكيفية قراءة الرموز التي أنتجها القرن التاسع عشر في زمن لاحق أكثر حساسية تجاه تمثيلات الشرق والعلاقة غير المتكافئة في إنتاج الصورة. داخل هذا السياق، يبدو التمثال وثيقة بصرية تسمح بقراءة تاريخ طويل من التداخل بين العلم والفن والسلطة الرمزية.
في متحف كاميل كلوديل، يُعرض العمل الفني إلى جانب مواد أرشيفية ورسوم أصلية، ومخططات أولية ونماذج تحضيرية تعود إلى المراحل الأولى من التفكير في التمثال، بما يسمح بتتبع انتقاله من الفكرة إلى التكوين النهائي. كما تكشف هذه المواد عن بطء التشكل النحتي لدى بارتولدي، وأيضا عن الطريقة التي كانت تتراكم بها الصورة عبر تعديلات متتالية، قبل أن تستقر في الصيغة المعروفة اليوم.
ويتيح العرض أيضاً العودة إلى شبكة أوسع من المؤثرات التي رافقت بارتولدي، وفي مقدمتها رحلته إلى مصر سنة 1855، حيث تشكلت لديه ذاكرة بصرية مباشرة عن النيل والمعابد والعمارة الفرعونية. هذه التجربة، حين تعود داخل المعرض عبر الرسوم والوثائق، تظهر كطبقة تأسيسية في بناء العمل، حيث يتقاطع التوثيق مع إعادة التخييل داخل منطق نحت أكاديمي أوروبي.
كما يتوقف المعرض عند مسار التمثال داخل الفضاء العام منذ تثبيته في ساحة الشرف بكوليج دو فرانس، وهو فضاء يقع في قلب الدائرة الخامسة بباريس، داخل الحي اللاتيني الذي يُعد من أكثر المناطق ارتباطًا بتاريخ المؤسسات العلمية. هذا الموقع منح التمثال حضورًا يوميًا داخل مؤسسة أكاديمية مرجعية، قبل أن يُعاد توجيهه نحو المتحف ضمن مقاربة جديدة لحفظ الأعمال النحتية الكبرى.