استمع إلى الملخص
- تميز بوزفور بأسلوب فريد يجمع بين الاختزال والإيقاع الشعري، وركز في أعماله الأخيرة على تفكيك الزمن والمونولوج الداخلي، رافضاً التكريمات الشكلية ومتمسكاً بالكتابة كفعل أخلاقي.
- المشهد الثقافي المغربي يساهم في تهميش بوزفور، حيث تكرس "نجومية ثقافية" لا تعتمد على القيمة الأدبية، بينما يواصل بوزفور إصدار نصوص تقترح قراءات جديدة للواقع.
في غفلة من المؤسسات الثقافية المغربية ومن وسائل الإعلام، مرّت الذكرى الثمانين لميلاد الكاتب أحمد بوزفور، أحد أبرز أعمدة القصة القصيرة في المغرب والعالم العربي، بصمت مطبق. لم تُنظم احتفالية، لم تصدر كلمة تكريم، لم تُخصَّص فقرة في نشرة ثقافية، وكأن المناسبة لا تعني أحداً.
غياب الاحتفاء لا يعبّر فقط عن تقصير رسمي، بل يعكس، وفق عدد من المهتمين، أزمة أعمق تتعلق بذاكرة ثقافية مثقوبة، وسلوك مؤسساتي لم يعد يعترف بمبدعيه الكبار إلا بعد وفاتهم.
ولد أحمد بوزفور سنة 1945 في قبيلة البرانس، قرب مدينة تازة. تلقى تعليمه الأولي في الكتاتيب القرآنية، ثم التحق بجامعة القرويين، حيث تابع دراسته في الأدب العربي. بدأ مسيرته الأدبية أواخر الستينيات، ونشر أولى قصصه سنة 1971. وحققت مجموعته "النظر في الوجه العزيز" (1983) شهرة واسعة، تلتها أعمال بارزة مثل "الغابر الظاهر" (1987)، و"صياد النعام" (1993)، و"ققنس" (2002).
على امتداد أكثر من خمسة عقود، شكّلت تجربة بوزفور حالة استثنائية في السرد المغربي الحديث، إذ لم يكن مجرد كاتب يصف الواقع أو يلاحق التفاصيل اليومية، بل صانعاً للغة خاصة، نسج بها عوالم قصصية تتداخل فيها الذاكرة بالهوية، والحلم بالحقيقة، والواقع بالأسطورة.
تميز أسلوبه بالاختزال، والإيقاع الشعري، والعمق الرمزي، ما جعل قصصه لا تُقرأ فقط، بل تُتأمل كطبقات دلالية تنفتح على قراءات متعددة. وقد رأى فيه النقاد امتداداً لجمالية عربية عريقة، تقطع مع السرد الكلاسيكي، وتنفتح على تجريب متواصل في اللغة والبناء والمضمون.
في مجموعاته الأخيرة، خاصة "نافذة على الداخل" (2013) و"إني رأيتكما معاً" (2020)، يظهر هذا التوجه التجريبي بوضوح، إذ يواصل بوزفور تفكيك الزمن الخطي، واعتماد المونولوج الداخلي، والمراوحة بين الفصحى والعامية في أسلوب لغوي يُشبه طابع الحياة اليومية المغربية، لكنه لا يفقد بُعده الجمالي الراقي.
سلوك مؤسّساتي لا يعترف بمبدعيه الكبار إلا بعد وفاتهم
رغم هذا المسار الثري، بقي بوزفور بعيداً عن الأضواء الرسمية. موقفه الرافض لجائزة المغرب للكتاب في 2002 مثّل لحظة فارقة، حيث اعتبر قراره موقفاً مبدئياً للدفاع عن استقلالية الكاتب، وضد كل محاولات الترويض المؤسسي. ومنذ ذلك الحين، ظل يرفض التكريمات الشكلية، متمسّكاً برؤية للكتابة بوصفها فعلاً أخلاقياً.
لكن عزوفه عن الترويج الذاتي لم يكن كافياً لتبرير هذا النسيان الجماعي. فقد ظل اسم بوزفور، بالنسبة للأجيال الجديدة من الكتّاب والقراء، أحد أبرز من وضعوا اللبنات الأولى لحداثة القصة المغربية، وأحد القلائل الذين جمعوا بين الأصالة والتجريب، بين الالتزام والجمال.
وفي غياب التفاتة مؤسساتية حقيقية، يتحمّل المشهد الثقافي المغربي، من جامعات وهيئات ونخب فكرية، جزءاً من مسؤولية هذا التهميش، خاصة أن كثيراً من هذه الجهات انخرطت في تكريس أنماط من "النجومية الثقافية" لا تقوم على القيمة الأدبية بقدر ما تُبنى على الظرفية والتسويق.
وقد دعا عدد من الباحثين والمثقفين إلى ضرورة إعادة الاعتبار لأعمال بوزفور، وتوثيق مسيرته، وتدريس نصوصه، وتنظيم ندوات أكاديمية تُعيد قراءته في ضوء التحولات السردية الحديثة. في المقابل، لا يزال بوزفور، بعزلة اختارها طواعية، يُصدر نصوصاً تقترح قراءات جديدة للواقع، وتُعبّر عن أرق وجودي وإنساني في لغة مكثّفة لا تُهادن ولا تُساير.
اليوم، وفي لحظة نضج ثقافي تحتاج فيها البلاد إلى رموزها الحقيقية، يبدو أحمد بوزفور مثالاً حيّاً على المفارقة المغربية الكبرى: مبدعٌ حاضر في النصوص، غائبٌ عن الاحتفاء. أيقونة تسكن القصة المغربية وتُؤسّس لها، لكنها لا تُكرَّم إلا في صمت، وربّما بعد فوات الأوان.
* شاعر من المغرب