هل ينقذ التكنوقراط غزّة؟

05 فبراير 2026
+ الخط -

في قلب غزّة، حيث تتقاطع السياسة مع المصير، والحياة مع الانكسار، يطرح السؤال نفسه بإلحاح: هل يمكن للعقل أن ينقذ ما أفسدته الأقدار والتاريخ؟

التكنوقراط، كفكرة، يجسّدون الاعتقاد بأن الإدارة العقلانية والكفاءة العلمية قادرتان على فرض النظام في عالم مضطرب، لكن غزّة ليست مجرّد منظومة قابلة للترتيب، ولا أزمة يمكن تحليلها بالأرقام والجداول. إنّها تجربة وجودية، حيث الألم، والفقد، والانتظار، جزء من شروط الوجود نفسها.

التكنوقراط هم تجسيد للموضوعية المطلقة، لحلم الإنسان بأن المنطق قادر على تخفيف عبء الواقع. هم أدوات الفكر النقي، الخالية من الانتماءات والعواطف، يسعون إلى تحقيق كفاءة إدارية على غرار التصوّر الهيغلي للعقل الحاكم في الدولة، لكن غزّة ليست مسرحًا للفكر المجرّد؛ غزّة تجربة حسّية، حيث يتقاطع كل قرار إداري مع الألم، والمعاناة، والذاكرة الجماعية. هناك، لا توجد مجرّد نتائج، بل تُقاس كل خطوة بمستوى العدالة الأخلاقية التي توفّرها للإنسان.

ربما يكون التكنوقراط في غزّة بمثابة «الظاهر العقلاني»، حسب تعبير كانط: إطار تنظيمي يسعى إلى تنظيم الفوضى، لكنه لا يملك القدرة على تشكيل الجوهر. الجوهر هنا هو الشعب، والجغرافيا، والحصار، والانقسام، والصراعات التي تتجاوز حدود الإدارة. إنهم يستطيعون تعديل الجداول، إصلاح المستشفيات، أو إعادة فتح المدارس، لكنهم لا يستطيعون تعديل شروط الوجود نفسها، ولا كسر الحصار عن الكرامة أو الزمن.

في غزّة، لم تعد السياسة فكرة، بل قدرًا. قدر يضغط على الخبز، وعلى الماء، وعلى الضوء، حتى صار كل تفصيل صغير يحمل توقيع الانقسام. وحين يُستدعى التكنوقراط، يُستدعون غالبًا كبدلاء عن الفشل، لا كشركاء في الحل. يُطلب منهم تنظيف الدماء، دون الاقتراب من السكين.

ربما يكون التكنوقراط في غزّة بمثابة «الظاهر العقلاني»، حسب تعبير كانط: إطار تنظيمي يسعى إلى تنظيم الفوضى، لكنه لا يملك القدرة على تشكيل الجوهر. الجوهر هنا هو الشعب، والجغرافيا، والحصار، والانقسام، والصراعات التي تتجاوز حدود الإدارة

قد تنجح حكومة تكنوقراط في ترتيب الطوابير، وفي تهذيب الفوضى، وفي إعطاء الانطباع بأن هناك من يُمسك الدفّة، لكنها ستظل تبحر في بحر لا تتحكّم برياحه. ستظل سفينة بلا بوصلة سياسية، تُجيد المناورة لكنها لا تعرف إلى أي شاطئ تتّجه.

القسوة الحقيقية ليست في التشكيك بقدرات التكنوقراط، بل في قسوة الواقع الذي يُزجّ بهم فيه. يُراد لهم أن يكونوا حلًّا بلا كلفة سياسيّة، ومسكّنًا بلا شفاء، وواجهة أنيقة لعجز عميق. يُراد لهم أن يُقنعوا الناس بأن الإدارة قادرة على تعويض غياب المشروع، وأن الجداول قادرة على سدّ فراغ الرؤية.

ومع ذلك، يمكن النظر إلى التكنوقراط باعتبارهم قوة مؤقتة تمنح إرادة الحياة فرصة للاستمرار، ليس هدفهم أن يصنعوا ثورة، بل أن يسمحوا للمدينة بأن تتنفّس بين الانكسارات اليومية، فحتى الفشل المؤقت هنا ليس عبثًا؛ إنّه اختبار للعقل أمام المعاناة، ومحاولة لإثبات أن التنظيم البشري، مهما كان محدودًا، يمكن أن يخفّف من ثقل الوجود.

لكن السؤال يبقى في جوهره: هل تُنقذ التكنوقراط غزّة؟

أم أن غزّة، بوجودها المستمر، هي التي تنقذ كل من يحاول فهمها أو إدارتها؟ فغزّة ليست فقط مكانًا، بل تجربة للزمان والمكان، اختبارًا للعدالة، وعنصرًا في معادلة الحياة الإنسانية التي تتجاوز كل إدارة منطقية.

في النهاية، قد يقدّم التكنوقراط حلًّا جزئيًّا، أو إغاثة مؤقتة، أو فسحة للتفكير، لكن الإنقاذ الحقيقي ليس في الإدارة وحدها، بل في فهم المدينة فلسفيًّا: إدراك أن الإنسان هنا يسبق السياسة، وأن البقاء يتطلّب أكثر من الكفاءة؛ يتطلّب وعيًا بالوجود، وصبرًا على الزمن، وشجاعة على مواجهة السؤال الذي لا يجيب عنه أي عقل، مهما كان نقيًّا: ماذا يعني أن تكون حيًّا في غزّة؟

إذن، السؤال ليس إن كانت التكنوقراط تنقذ غزّة، بل كيف تحوّل العالم إلى منظومة تُدار فيها الكارثة بدل أن تُمنَع.