نهاية الحرب وإعادة تعريف معنى الوطن
أعصابٌ مبددة، ووسنٌ متردد، قنبلة في الرأس، وابتسامة حزينة تحمِلُها شفاهٌ ترتجف، وأجفانٌ لا تعرف للغمضِ سبيلًا، وجسدٌ باتَ كورقةٍ تتمايل وتتأرجح وسط الرياح القارصة دون ملجأ، انسحبت الحرب من غزة... هكذا يقول الخبر، عابرًا ببرود فوق شاشات التلفزة ونشرات العالم.
لكن على الأرض، في الأَزِقَّةِ الضيقة، تحت الجُدران المثقوبة، وفي قلوب الناس الذين نجوا بالكاد، لا شيء يدل على أن شيئًا قد انتهى حقًا، نعم انتهت الحرب؛ ولكن ببساطة الحياة لم تبدأ بعد؟ ولم تعُد إلى مسارها الطبيعي، كما لو أن أحدهم ضغط زرّ "إعادة التشغيل"، بل تبدأ بشيء يشبه الارتباك، الدهشة، وربما الخوف من مواجهة ما تبقى.
طقسٌ جنائزي اجتاح كل شيء، فالصمت أقسى ما في العودة، بأقدامٍ ثقيلة، بأعينٍ لا تصدّق ما ترى، وبقلوبٍ مُثقَلة بما لا يُحتمل، يعود الأهالي إلى منازلهم، ولكن ليس كما غادروا، في غزة لا أحد يعود كما غادر، فالأرواح التي هربت من لهيب الحرب لم تخرج سالمة، بل خرجت ناقصة، مثقوبة، مشوّهة من الداخل.
الطريق إلى البيت يصبح طريقًا إلى الذاكرة، الجميعُ هُنا يمضي في جنازاتٍ طويلة، نحو حُطام بيوتهم. يعودون إلى تاريخهم الممزق، إلى وجوهٍ فقدوها، إلى عيونٍ فارغةٍ تذكرهم بدمعٍ لم يُذرف بعد.
يعودون حاملين بين أيديهم هشاشة الجسد وروحًا مقطوعة بين خوف الأمس وألم اليوم، يعودون بأجسادهم المُهترئة، المُتعبة، بوجوههم الشاحبة التي لم تعُد تُشبه ملامح الحياة، فالبيوت باتت كوابيس واقفة، كأنها ترفض استقبال من نجا "نحن الذين لم نمُت بعد".
انتهت الحرب، هكذا يقولون لكننا لا نُصدّق لأننا لم نعد نعرف شكل الحياة كي نميّز إن كانت قد عادت كل ما نعرفه الآن أن الصوت اختفى فجأة، صوت القنابل، صوت البيوت التي تنهار، صوت الأنين تحت الرُكام، صوتنا... حين كنّا نصرخ من الألم، الوجع، الخوف، والذُعر ولا يسمعنا أحد لكن الصمت هذا ليس سلامًا إنه جثة صوتية، تُرعبنا أكثر من الانفجارات نسمع فيه ما تبقّى منّا.
نحن الذين لم نمُت، لا نشعر بأننا على قيد الحياة، نحن فقط هنا نمشي بين الرُكام كأشباحٍ تبحث عن أطرافها.
انتهت الحرب... ولكن لماذا لا يزال الخوف يجتاح قلوبنا؟
كأننا نخرج من المقبرةِ فجأة، ونُجبر على ارتداء وجوهٍ من جديد كأننا نقف أمام منازلنا المحطّمة، ونحاول أن نتذكّر كيف كانت قبل أن تتحوّل إلى رماد كأننا ننام كل ليلة على الأرض، وتحت الوسادات أسماء من نُحب... وليس أجسادهم.
نحن لا نرتاح نحن لا نهدأ،
كلّ زاوية في الحي تذكّرنا بمن لم يرجع،
الحرب أخذت أكثر من البيوت أخذت الأمان، والإيمان، والمعنى.
ننظر إلى السماء، ونخافُ منها، لم تعد زُرقتها تبشّر بالغيث، بل بالضربة التالية السماءُ في غزة ليست مكانًا للتأمل هي فُوَّهة بندقية، تنسى أحيانًا أن تطلق النار، لا أكثر.
أسئلة كثيرة تُراودنا، لا إجابة لها، ماذا نفعل؟
نلملم بقايا أرواحنا، نكنس الغبار عن صورنا، نضع الحجارة فوق بعضها ليس كترميم... بل كمحاولة لتصديق أننا ما زلنا هنا.
لا نريد أن نُقاوِم فقط نريد أن نشعُر، أن نُحِب، أن ننام دون أن نقفز من الفزع.
لكنّ الحقيقة؟ نحن تعبنا تعبنا من القوة تعبنا من الصبر تعبنا من فرط التحمُل تعبنا من أن ندفن أبناءنا ثم نواصل الحياة وكأنّها لا تزال تملك طعمًا.
نحن الذين لم نمُت... نعيش كأننا في انتظار الدفن.
العودة بعد الحرب ليست لحظة انتصار، بل لحظة مواجهة مواجهة مع نفسك، مع الخراب، مع الفقد، مع محاولة بناء حياةٍ في مكانٍ فقد ملامح الحياة.
العودة في ظاهرها بحث عن الحياة، لكنها في الحقيقة مواجهة مع الموت المؤجَّل، الذي نجا من القصف، لا ينجو من الذاكرة، والذي عاد إلى منزله، عاد أيضًا إلى لحظة موته التي لم تحدث.
العودة بعد الحرب ليست نهاية الحكاية، بل بدايتها الأكثر قهرًا وجعًا، وظُلمًا، لأمواتٍ يعيشون كالأجساد الباردة الهامدة فوق التراب، أحاول جاهدة رسم ملامح الحياة التي نعيشها الآن لكنّ المسافة الهائلة بين التجربة والكلمات جعلت تلك الحروف تتعثّر في حنجرتي، وتخونني اللغة كما يخون البحرُ مَن وثق بموجه.