مبادرة الحكم الذاتي في قلب التحوّل الأممي

16 ابريل 2025
+ الخط -

في زمن تتسارع فيه تحوّلات الجغرافيا السياسية، وتتهاوى فيه الأطروحات الأيديولوجية الجامدة، تبرز قضية الصحراء المغربية واحدة من أبرز الملفات التي أعادت ترسيم موقعها الاستراتيجي على الساحة الدولية. فقد دخلت المبادرة المغربية للحكم الذاتي، في ظلّ السيادة الوطنية، مرحلة جديدة من الزخم السياسي والدبلوماسي، مدفوعة بدعم مُتزايد من المجتمع الدولي. ويُجسّد هذا الدعم إعلان أكثر من 113 دولة عضواً في الأمم المتحدة، من مختلف القارات، تأييدها الصريح لهذه المبادرة، بما في ذلك قوى كبرى ومؤثّرة في الملف مثل واشنطن، وباريس، ومدريد.

دعم دولي لمغربية الصحراء

شكّل الاعتراف السابق للرئيس الأميركي دونالد ترامب، خلال ولايته الأولى عام 2020، بسيادة المغرب على صحرائه لحظةً مفصلية في مسار النزاع، لكنها لم تبقَ مجرّد إعلان سياسي ظرفي. ففي إبريل/ نيسان 2025، جدّدت الإدارة الأميركية هذا الموقف من خلال تصريح رسمي لوزير الخارجية، ماركو روبيو، عقب لقائه مع نظيره المغربي ناصر بوريطة، أكّد فيه أنّ واشنطن تعترف بالسيادة المغربية على الصحراء، وتدعم "مقترح الحكم الذاتي المغربي الجاد والموثوق والواقعي باعتباره الأساس الوحيد لحل عادل ودائم للنزاع"، بل "الإطار الوحيد الممكن للتفاوض".

زيارة وزير الخارجية المغربي إلى واشنطن لم تكن زيارة بروتوكولية فحسب، بل شكّلت محطة فاصلة في ترسيخ هذا التوجّه الاستراتيجي. فلقاءاته مع مستشار الأمن القومي، ووزير الخارجية، وأعضاء مؤثرين في مجلسي الكونغرس، لم تقتصر على تجديد الدعم السياسي، وإنما تلتها مبادرات عملية أخرى. 

في هذا الإطار، عقدت نائبة وزير الخارجية الأميركي لشؤون السياسات، ليزا كينا، لقاءً مع المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة للصحراء، ستيفان دي ميستورا، حيث أعادت التأكيد على موقف الولايات المتحدة الواضح للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، باعتباره الحل العملي الوحيد. كما عبّر العديد من السياسيين والنواب الأميركيين في الكونغرس ومجلس الشيوخ عن دعمهم سيادة المغرب على صحرائه. 

عبّر العديد من السياسيين والنواب الأميركيين في الكونغرس ومجلس الشيوخ عن دعمهم سيادة المغرب على صحرائه

هذا الموقف الأميركي لا يُعدّ معزولاً عن الدينامية التي أطلقتها الرباط في ملف الصحراء المغربية على مستوى القوى الدولية المؤثرة في القرار الأممي. ففي خطوة لافتة، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون السنة الماضية أنّ "حاضر ومستقبل الصحراء لن يكون إلا تحت السيادة المغربية"، متجاوزاً بذلك الموقف الفرنسي التقليدي الذي كان يدعم في السابق مبادرة الحكم الذاتي.

أما إسبانيا، المستعمرة السابقة للصحراء، فقد انتقلت من الموقف الرمادي إلى تبنٍّ واضح لرؤية المغرب منذ سنة 2022، معتبرة أنّ "مبادرة الحكم الذاتي التي تقدم بها المغرب سنة 2007 تُعدّ الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية من أجل تسوية هذا الخلاف الإقليمي".

الرؤية الملكية: دبلوماسية ذكية وسيادة ثابتة

الإنجازات التي حقّقها المغرب في تكريس سيادته على أقاليمه الجنوبية لم تكن نتيجة ردات فعل ظرفية، بل ثمرة رؤية ملكية استراتيجية متكاملة. فمنذ اعتلائه العرش، أرسى الملك محمد السادس مقاربة شمولية تقوم على تعزيز الجبهة الداخلية، وتثبيت دبلوماسية المبادرة والوضوح، وربط الشراكات الدولية بمواقف واضحة من قضية الوحدة الترابية.

وقد أثمرت هذه المقاربة في إطلاق نموذج تنموي متقدّم في الأقاليم الجنوبية، دعم دولي متزايد وغير مسبوق، تحييد عدد مهم من الدول الأفريقية واللاتينية التي كانت تدعم الطرح الانفصالي، ترسيخ مبدأ أنّ الحل الوحيد الممكن يجب أن يكون عملياً وواقعياً وتحت السيادة المغربية. هذه الدينامية، سواء على المستوى الداخلي أو الدولي، تضع رهانات جسيمة على عاتق المنتظم الدولي، وعلى المبعوث الأممي للصحراء ستيفان دي ميستورا. 

دي ميستورا أمام لحظة الحسم

هذا الالتقاء الثلاثي بين واشنطن وباريس ومدريد، إلى جانب الدعم الصريح من غالبية الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، يعيد رسم خريطة المواقف داخل المنظمة الأممية، ويُضعف الطرح الانفصالي المدعوم من النظام الجزائري. ويُوفّر هذا الواقع الجديد للمبعوث دي ميستورا أرضية صلبة لتجاوز منطق "الحياد الشكلي"، والانخراط في مقاربة واقعية تعكس هذا التحوّل الدولي.

فاليوم، تدعم أكثر من 100 دولة المبادرة المغربية للحكم الذاتي، وجرى افتتاح قنصليات في مدن العيون والداخلة من طرف عشرات الدول، ما لم يعد يُعتبر مجرّد تفاعل رمزي، بل يمثل اعترافاً فعلياً بسيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية.

لم يعد من المقبول أن تستمر الأمم المتحدة في إدارة هذا الملف بالأدوات التقليدية نفسها

وبالتالي، لم يعد من المقبول أن تستمر الأمم المتحدة في إدارة هذا الملف بالأدوات التقليدية نفسها. لقد أصبح من الضروري أن تواكب المنظمة هذا التحوّل النوعي، وأن تنسجم مع الشرعية الواقعية التي بدأت تصنع الإجماع الدولي حول المبادرة المغربية.

في خضم هذه التحوّلات الجارية التي تعزّز مبادرة الحكم الذاتي، ظهرت دعوات من بعض الأطراف، من بينها المبعوث الأممي نفسه، لتوسيع أو تفصيل مضمون المقترح المغربي. غير أنّ الرباط كانت واضحة في ردّها، وجاء ذلك على لسان وزير الخارجية ناصر بوريطة الذي صرّح بأن "مخطط الحكم الذاتي هو نقطة وصول لا بداية".

هذا الموقف يعكس رؤية استراتيجية تعتبر أنّ تفصيل المبادرة في هذه المرحلة قد يُفهم خطأً كاستعداد للمزيد من التنازلات، وهو ما يتناقض مع مسار الاعترافات الدولية، ويفتح المجال من جديد أمام منطق الابتزاز السياسي الذي تجاوزه الواقع.

هل تلتقط الأمم المتحدة اللحظة؟

لم تعد مبادرة الحكم الذاتي مجرّد خيار سياسي، بل أصبحت تأكيداً لشرعية قانونية ودولية تستند إلى الوقائع التاريخية، والمعطيات الجغرافية، ودينامية الاعترافات الدولية المتزايدة. إنّها تعبير عن منطق السيادة المسؤول، وعن قدرة المغرب على التوفيق بين مبادئ الوحدة الترابية ومقتضيات الحلول الواقعية وذات المصداقية، والتي تستجيب للقانون الدولي.

وعليه، فإنّ الأمم المتحدة مطالبة اليوم بالتخلّي عن مقارباتها القديمة، وإن كانت كلّ قرارات مجلس الأمن تشيد بمبادرة الحكم الذاتي، والانخراط الجاد في حلّ يستند إلى هذه الشرعية الواقعية والقانونية، ويضمن استقرار المنطقة ويُنهي هذا النزاع المفتعل. فهل تلتقط الأمم المتحدة هذه اللحظة التاريخية الحاسمة؟

سامي المدوني
سامي المودني
الرئيس المؤسس للمنتدى المغربي للصحافيين الشباب ورئيس تحرير بقناة ميدي 1 تيفي الإخبارية. أنجز عددا من التحقيقات الاستقصائية والأفلام الوثائقية. حائز على جائزة دبي للصحافة العربية سنة 2014. يهتم بمجال حقوق الإنسان وبحقل الحريات المدنية والسياسية.