لننقذ.. قبل أن نرثي

10 مايو 2025
+ الخط -

لا يرى هذا البلدُ أبناءه إلا موتى، خصوصًا أولئكِ الذين تزعجه حياتهم، هؤلاء المشاغبين المتكلّمين الأحياء، هؤلاء البشر... يحبّ الموتى ويحتفي بهم، كما يحبّ الجمادات والببغاوات هذا البلد المسكين، فلا تجده يمدّ يدًا لحيٍّ إلا ليقبض على "زمّارة رقبته" أو "يكلبشه" أو يصوّب على رأسه ليتخلّص من إزعاجه، وصنع الله إبراهيم ليس وحيدًا في هذه اللعنة.

يعودُ الرجل (المبدع والمناضل الكبير) إلى المشفى بعد أسابيع من مغادرته إيّاه، فاقدًا بصره وشيئًا غير هيّنٍ من سمعه، وغالب قوّته، إلا ذهنه المتّقد الواعي المتابع الناقد والحيّ، يعود إلى المشفى الآن بعظامٍ مكسورة وعُزلة لا تليقُ بمبدعٍ أفنى حياته ليكسر العزلة، لا عن شخصه، بل عن الأفكار والمشاعر والمواقف، لكنّه الآن محاصرٌ ببرودة المرض وصقيع الإهمال، الذي غالبًا يفرض نفسه بحكم العادة، هكذا يعمل النظام (تبدو ساخرة تلك الكلمة حين نطلقها على ما يجري في بلدنا) والمفرمة البليدة لا تميّزُ بين ضحاياها، أو لا تكادُ تراهم، هي فقط تدورُ، وتدهس الكلّ بلا اكتراث.

يبدو زاهدًا، أو متعاليًا (أليس في كلّ زهدٍ شيءٌ يشبه التعالي؟) على النجوميّة والمهرجانيّة، وحتى الجوائز والكاميرات (رغم أنّ كلّ ذلك لاحقه أو كان له فيه نصيب)، سائرًا على الهامش أو صانعًا من هامشه متنًا ينافس المتون الرسميّة والمعتادة أو يتفوّق عليها، لا يخجل (حتى اليوم) من قول: "لا أعرف" أو "ليس عندي موقفٌ في كذا" أو "يحتاج الردُ إلمامًا ليس عندي".. هذه كلّها حالٌ لا نعرفه ولم نعتده، لا من صغار ولا كبار في أيّ مجال، والكلّ يمتلك ردودًا على كلّ شيء، إلا الكبار بحقّ الذين ما زالوا يعلّمون حيث يظنّون أنّهم يتعلّمون.

***

غيرَ متّكئٍ إلا على قلمه، شاهدًا وناقدًا للمنظومة الثقافيّة، من هامشٍ هو القلبُ أو يكاد، يرفضُ الجائزة ببساطة وحسم حين يرى الثمن متجاوزًا القيمة، ولو ظلّ الكثيرون يحشرونه حشرًا في موقفٍ ربّما تجاوزه هو بعد انتهائه، كاتبًا عمّا خبر: السجن والقهر والجسد والكرامة والحريّة والأنثى والحياة، من غير برجٍ ولا زجاجٍ فاصل، بل من الخضمّ فعل، مُلملمًا شظايا الإنسان الذي هو ذاته حين يُرادُ له أن يتحطّم، أو حين يصبح حطامًا بالفعل.

يفعل الآن في ذروة مرضه ما فعله بطول حياته: لا يطلب إنّما ينتظرُ بصمتٍ فيما لا يخصّ موقفًا يلتزم به، متعفّفًا عن شبهة استجداءٍ أو سؤال، ولو كان حقّه الأصيل مواطنًا، مبدعًا، إنسانًا، خصوصًا أمام الدولة التي يعرفُ أنّها تكره وتعادي أصحاب الضمائر والقلوب والأصوات، تعادي كلّ حيٍّ، ويعاديها هوَ كما يُعاديها كلّ حرّ.

دولة تكره وتعادي أصحاب الضمائر والقلوب والأصوات؛ تعادي كلّ حيٍّ، ويعاديها هوَ كما يُعاديها كلّ حرّ

حين سألته في لقائنا الأخير قبل أيّام من إصابته الأخيرة (ضمن سلسلة لقاءات مصوّرة أجريها مع مبدعين كبار) عن فقده الحديث لبصره، شرح لي ما جرى، مُلقيًا اللومَ على نفسه أولًا، ثمّ على المشفى الذي كان فيه لأنهم لم يقوموا بصميم عملهم، وحلّل الموقف بوضوح وموضوعيّة، كأنّه يتحدّث عن شيءٍ لا يخصّه، لكنّه قالَ بحسمٍ ويقين: ليسَ شيئًا أمام ما يحدث للفلسطينيين في غزّة، ثم أكمل كلامه ببساطة محيّرة.

مؤمنًا بالثورة كما كان دومًا، ناقدًا لها من صميم انحيازه لها ولأبنائها، متمسّكًا بالأملِ كعادته، ليس أملاً ساذجًا غيبيًّا يتشعلق في أطرافه القاعدون، إنّما ذلك الأمل المبني على وعيٍ وتحليلٍ وقراءةٍ لتجارب التاريخ كما للواقع كذلك، يعرفُ أنّ وجودَ سيطرة على هذه الصورة يلزم مقاومةً بالضرورة، ينصح: تغيّر الظروف والواقع يلزمه تغيير في الأدوات والصياغات وإعادة نظر في غلطات التجربة السابقة (الباقي أثرها)، وراجعًا إلى فلسطين وإبادة شعبها بين كلّ فقرةٍ من حوارنا، كمن لم يغادرها إلا ليعود إليها.

**

أذكّرُ أم أتذكّر، أم أنّ هذه لتلك، لا أعرف صدقًا، كلّ ما أعرفه أنّ الكتابة الآن عن الرجل، لفتُ الانتباه إلى معاناته التي ليست الأولى، عن الإهمال الذي يحاصره (كأنّما يُعاقبُ به على انحيازاته ومواقفه وإبداعه، وربّما وجوده ذاته)، عن بقائه في المشفى من دون إجراءٍ لإنقاذه أو تحرّكٍ جادٍ لرعايته كما يجب لكلّ مريض، ولا سيّما لقامة كصنع الله إبراهيم، أو لعلّي أُسقط عن نفسي معرّة الصمت، تطهّرًا، وإن أدركتُ أنّ الكلمة لا تحرّك ولا تغيّر، وأنّ الضمائر الميّتة لن تحييها طوابير المقالات التي كُتبت حتى الآن، من دون جدوى. أو لعلّي أكتبُ لننقذ قبل أن نفعل لنرثي كعادتنا، لننتبه قبل أن نتذكّر، لا لماضٍ بل لحاضرٍ يئنّ بتعفّفٍ وصمت.

**

"مش متأكّد لو حضرتك فاكرني؟" سبقَ والتقينا بعد خروجي من المعتقل غير مرّةٍ، وأهديته ديوان "كيرلي" وكتاب "يُشبه الهتاف، يُشبه الأنين" اللذين كتبتهما في المعتقل، وتحادثنا حول المعتقل والشعر والكتابة في لقاءاتنا تلك. وقد استقبلني في المرّة الأولى بعد خروجي بوقتٍ قصير (حين جمعنا الأسانسير مصادفةً وكلانا في الطريق لذات البيت) باحتفاءٍ ومحبّةٍ تركا أثرًا كبيرًا في نفسي.
"حدّ ينسى شاعر عظيم زيّك يا دومة؟" تملأني غبطةٌ بالغة، وأسأل فادي صديقي المصوّر: هل سجّلت ذلك؟ فيقول: لا، انتوا استعجلتوا قبل ما أسجّل. فألعنه.

أصلّي وأدعو، ولا أستجدي أنا الآخر، وكلّي أمل أن يقومَ من رقدته تلك، سليمًا معافى؛ كما يستحقّ، وليفي بعهده معي: سنكمل اللقاء في الأسبوع المقبل، حين غلبه الألم، ولم يستطع استكماله في المرّة الماضية.