في أخلاق الرعاية الزوجية
تُدرّب الصبية منذ الطفولة، على رعاية الآخرين فتُشجّع على الاهتمام بالدمى ثمّ تُكلّف بالسهر على الإخوة الصغار وقضاء حاجات الجدّة والجدّ... وكلّما حاكت الفتاة أمّها الساهرة على رعاية الجميع، نجحت في انتزاع الإعجاب والتقدير، وأثبتت أنّها أضحت امرأة مؤهلة للزواج وقادرة على تقديم خدمات الرعاية على أكمل وجه، بدءًا بالزوج والأطفال وصولًا إلى جميع أفراد الأسرة الموسّعة، بما فيها أب الزوج أو أمّه أو أخيه من أصحاب الاحتياجات الخصوصيّة.
تُعوّد النساء على تحمّل كلّ أعباء الرعاية من منطلق الواجب والدور المنوط بعهدتهنّ بحكم "طبيعتهن" وما "فُطرن عليه" و"خبراتهن" و"أنوثتهن" و"أمومتهن". ولكن يختلف تلقّي الشابّات والنساء اليوم، لطريقة توزيع الأدوار ونسبة الدور الرعائي لهنّ فقط. فمنهنّ من تُقبل على إسداء خدمات الرعاية من منطلق "التربية" و"الأعراف"، ومنهنّ من ترى في ذلك فرصة للتموقع وإثبات الذات وانتزاع الاعتراف الأسري أو كسب الثواب وبناء صورة "الزوجة الصالحة"، ومنهنّ من تتكيّف مع منظومة القيم التي تقوم على احترام العشرة والمودّة والإحسان والمعروف، ومنهنّ من تكتفي بأداء الواجب تجاه الزوج احترامًا لأبنائها، ومنهنّ أيضًا من تتخلّص من هذه المسؤولية فتُحمّل ابنتها أو المعينة المنزلية أو الممرّضة بإسداء خدمات الرعاية ولا تكترث بالوصم الاجتماعيّ لأنّها تؤمن بأنّ الرعاية ليست في تعالق مع الأنوثة/الأمومة/الطبيعة... ولا واجبًا مفروضًا على النساء، بل هي فعل مشروط بالاختيار والاستعداد والقدرة على العطاء.
وفي المقابل، ينظر أغلبهم إلى الرعاية على أنّها من مشمولات النساء من واجباتهنّ "الأخلاقية" ويبقى الاستثناء الوحيد هو أن يرعى الرجل والده في بعض الأمور الحميمية عملًا بقاعدة برّ الوالدين. ولا يضع الرجال هذا التصوّر الذي يوظّف الرعاية لتعزيز امتيازاتهم وخدمة مركزيتهم ومصالحهم واحتياجاتهم موضع تساؤل وإعادة نظر، بل يعتقد بعضهم أنّ من حقّ الزوج إخضاع الزوجة لرعاية أهله، وإن لم تفعل هدّدها بالطلاق وأساء معاملتها بحكم أنّها ليست "بنت أصل".
جُرّدت الرعاية في كثير من الحالات، من البعد الإنساني وصارت واجبًا مفروضًا وشكلًا من أشكال ممارسة الهيمنة الذكورية والابتزاز، بل العنف المُمارس على النساء
وبقطع النظر عن علاقات القوّة التي تتحكّم في العلاقات الرعائية فتحوّلها إلى خدمات مفروضة على الزوجة وليست نابعة من المحبّة والتعاطف أو الاختيار المسؤول، فإن الثابت هو تغيّر تصوّرات النساء عن الرعاية التي باتت تتنزّل في إطار الأعباء التي تثقل كاهلهن، فضلًا عن شعورهنّ بالاضطهاد المضاعف والاستغلال في مجتمعٍ عَرف تحوّلات كبيرة في مستوى نمط العيش ومكانة النساء وأدوارهنّ وتحمّل المسؤوليات وتغيّر المنظومة القيمية. وبناء على ذلك، جُرّدت الرعاية في كثير من الحالات، من البعد الإنساني وصارت واجبًا مفروضًا وشكلًا من أشكال ممارسة الهيمنة الذكورية والابتزاز، بل العنف المُمارس على النساء.
تكشف الشهادات التي تقدّمها النساء اللواتي تعرّضن لتجارب المرض (السرطان، الجلطة القلبية، الشلل النصفي...) عن انعدام أخلاقيات الرعاية الزوجية، إذ يعتقد بعضهم أنّ واجبه يتوقّف عند الإنفاق، ومن ثمّة يتنصّل من رعاية الصحّة النفسية للزوجة، ومنهم من يضيق ذرعًا بأنين "أمّ العيال'' فلا يتوانى عن ممارسة العنف اللفظي أو الرمزي أو المعنوي، فهي امرأة "فاقدة للصلوحية" حوّلت البيت الى "مستشفى"، وهو غير ملزم بتحمّل لحظات انهيارها وانكسارها وتعبيرها عن الألم، بل إنّها صارت تستأثر باهتمام أبنائها على حسابه، ومنهم من يرى أنّه لم يعد ملزمًا بواجب الإنفاق بدعوى أنّ الزوجة لها مرتّب ويمكنها أن تنفق على نفسها وتنتدب من يقوم برعايتها...
لا يحظى هذا العنف باهتمام الدارسين/ات مع أنّ له صلة بالتربية التمييزية التي جعلت الذكور يؤمنون في الغالب، بدونية المرأة وعلويّة الرجل وحاجته إلى أن يكون في مركز اهتمام كلّ النساء: يأخذ ولا يعطي. كما أنّ للأمر علاقة بالبنية التراتبية التي تتحكّم في بناء العلاقات وتحوّلها، في المجتمعات التي جرّدتها الرأسمالية من البعد الأخلاقي والإنسانيّ، إلى علاقات قائمة على استغلال جهود النساء ومنفصلة عن الميثاق الزوجي الذي ينصّ على بناء العلاقات الزوجية، لا على الهيمنة والتسلّط، بل على المودّة والاستقامة والإحسان... وهي أيضًا علاقات تتعارض مع أخلاقيات الرعاية التي تقوم على رعاية العواطف والمشاعر ومراعاة جميل الصحبة وجميل القول.
يبدو أنّنا أضحينا في حاجة إلى "التمكين" الأخلاقي حتى يكون انخراطنا في دراسات الرعاية لا "تقليعة" دالة على الانبهار بالنظريات الغربية، بل تجربة من واقع حيواتنا اليومية التي تتجاوز الرعاية الأسرية إلى الرعاية المجتمعية.