فنزويلا ولعنة النفط

06 ديسمبر 2025
+ الخط -

عادت فنزويلا إلى واجهة الأخبار العالمية بعد التصريحات المُفاجئة للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، التي لوّح فيها بالاستعداد لـ"ضرب فنزويلا" وإسقاط نظام الرئيس، نيكولاس مادورو، مع إرسال ثلاث سفن هجومية برمائية تحمل قوّة استطلاعية قوامها 2000 جندي من مشاة البحرية وهو نوع من الحصار العسكري لفنزويلا، الذي يُعدّ مرحلة جديدة في التصعيد غير المسبوق للعدوان الإمبريالي الأميركي على أميركا اللاتينية ككل، ولا سيما أنّ فترته الرئاسية الحالية اتسمت بالتنمّر الاستعماري الجديد على بنما، مُهدّداً بغزو عسكري إذا لم تتنازل البلاد للسيطرة الأميركية الكاملة على قناة بنما. 

ورغم أنّ التصعيد يبدو حديثاً، لكن تعود جذوره إلى سنوات مضت، إذ سبق للرئيس ترامب إبان عهدة جو بايدن أنّه قال عام 2023 "عندما غادرتُ، كانت فنزويلا على وشك الانهيار. كنا سنستولي عليها، وسنحصل على كلّ هذا النفط". هذا يوضّح أنّ شهية واشنطن للثروات الفنزويلية، وعلى رأسها الاحتياطي النفطي الأكبر في العالم، ليست وليدة اللحظة. ومع ذلك، يبقى الادّعاء بأنّ الولايات المتحدة تستعد لغزو عسكري مُباشر لفنزويلا احتمالاً ضعيفاً لأسباب عديدة. فترامب قدّم نفسه دائماً رجلَ سلامٍ لا رئيسَ حروب، وهو يروّج دوره في إنهاء الإبادة في غزة، وسعيه للتوسّط بين روسيا وأوكرانيا، بالإضافة إلى سحب قوّات بلاده من أفغانستان خلال ولايته الأولى. كلّ ذلك يجعل خيار الغزو الكامل لفنزويلا غير منسجم مع صورته السياسية التي يحرص على ترسيخها.

كما أنّ ترامب يدرك أنّ أيّ تدخل عسكري مباشر قد يقوده إلى صدام مُحتمل مع روسيا، الحليف الاستراتيجي القوي لفنزويلا، وهو احتمال يحمل كلفة باهظة سياسياً وعسكرياً. لذلك، يبدو أنّ نمط التدخّلات الأميركية التقليدية، أي عبر الغزو المباشر وإسقاط الأنظمة بالقوّة. لم يعد الخيار المُفضّل اليوم في ظلّ تغيّر موازين القوّة عالمياً، واتجاه واشنطن نحو أساليب أقلّ تكلفة وأكثر فاعلية سياسياً.

شهية واشنطن للثروات الفنزويلية، وعلى رأسها الاحتياطي النفطي الأكبر في العالم، ليست وليدة اللحظة

في هذا السياق، تعتمد الإدارة الأميركية على أدوات بديلة، من بينها العقوبات الاقتصادية، والحصار الجوي والبحري، ومحاولة تحريك الشارع الفنزويلي داخلياً عبر خلق حالة تذمّر مُتزايد ضدّ الحكومة، وإظهارها كما لو أنّها متمسّكة بالسلطة على حساب معاناة الشعب. وهكذا يتحوّل الضغط الاقتصادي إلى وسيلة لإعادة تشكيل البيئة السياسية الداخلية، ودفع المجتمع إلى الانقسام أو الاحتجاج أو حتى القبول بتغيير سياسي قسري. والهدف من ذلك هو الضغط على المؤسسة العسكرية، ودفع كبار ضباط الجيش إلى التفكير في خيار إطاحة مادورو إذا شعروا بأنّ بقاءه يهدّد مستقبلهم السياسي.

وتخدم أزمة فنزويلا أيضاً أجندة ترامب الداخلية، فهي تمنحه فرصة لإظهار صرامة في ملف الهجرة الذي جعله أولوية في ولايته الثانية، إذ يلقي باللوم على مادورو في موجات الهجرة الفنزويلية المُتزايدة نحو الولايات المتحدة. وبالإضافة إلى ذلك، يوظّف ترامب ملف المخدرات ذريعة أخرى للضغط على كاراكاس، رغم أنّ خبراء مكافحة المخدرات يؤكّدون أنّ دور فنزويلا في تجارة الكوكايين العالمية محدود نسبياً، وأنّها تُشكّل في الأساس دولة عبور. فالجارة كولومبيا تظلّ المنتج الأكبر للكوكايين في العالم، بينما ينتقل أغلب هذا الإنتاج إلى الولايات المتحدة عبر المحيط الهادئ، وليس عبر الأراضي الفنزويلية أو الكاريبي، وفق تقارير إدارة مكافحة المخدرات الأميركية.

يوظّف ترامب ملف المخدرات ذريعة أخرى للضغط على كاراكاس، رغم أن خبراء مكافحة المخدرات يؤكدون أنّ دور فنزويلا في تجارة الكوكايين العالمية محدود نسبياً

هذا المشهد يُعيد إلى الأذهان سوابق تاريخية استُخدمت فيها ذرائع مُشابهة لتبرير تدخّلات عسكرية كانت نتائجها كارثية إنسانياً وسياسياً، سواء في الشرق الأوسط أو أميركا اللاتينية. إذ تخلّت واشنطن عن ادّعاءاتها المُنافقة بـ"استعادة الديمقراطية" و"حقوق الإنسان"، التي كانت بمنزلة غطاء لتدخّلاتها السابقة واستبدلتها بمحاربة تجّار المخدرات.

ومع ذلك، يبقى السيناريو الأقرب اليوم هو استمرار الضغط الأميركي على مادورو من دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة، وهو سيناريو قد يطيل حالة الجمود لأشهر وربما سنوات، ما لم يحدث تحرّك داخلي حاسم يغيّر موازين القوة من داخل فنزويلا نفسها.