فرنسا والتغير المناخي

05 يوليو 2026
+ الخط -

شهدت فرنسا، كما عدة دول أوروبية، أواسط شهر يونيو/حزيران الماضي، واحدة من أشد موجات الحرارة، حيث تجاوزت درجات الحرارة الأربعين درجة مئوية، واستمرت موجة الحر قرابة أسبوع كامل. وفي فرنسا تحديداً، شملت هذه الموجة تسعين منطقة، مع تفاوت في الارتفاعات الحرارية، رغم تقاربها جميعاً وتجاوزها 37 درجة مئوية. كما تراوحت درجات الإنذار بين البرتقالي والأحمر، وفق مستويات الخطورة المناخية وانعكاساتها على الحياة اليومية، ووصل عدد المناطق التي شملها الإنذار الأحمر إلى خمسٍ وستين منطقة.

وسجلت أكثر من ثلاثة آلاف حالة وفاة فوق المعدل المعتاد أو الطبيعي للوفيات. ومع أنه لم يتم الجزم بأن جميع هذه الوفيات كانت بسبب موجة الحر، فإنها شملت الشريحة العمرية التي تزيد على الخمسة والستين عاماً. كما ارتفعت حالات الطوارئ المرتبطة بتوقف القلب، وهبوط الدورة الدموية، وضربات الشمس، والإغماء إلى مئات الحالات يومياً.

لكن تعامل الحكومة الفرنسية كان إيجابياً، وركز على المرونة والسرعة بهدف توفير الحماية المباشرة وغير المباشرة للأشخاص والممتلكات ومختلف عناصر البيئة. وكان الأهم توفير المياه، ولا سيما المبردة، وتأمينها للجميع، وخاصة العمال والطلاب، مع مواصلة الإرشادات التي تؤكد ضرورة شرب كميات كافية من المياه بصورة مستمرة.

كما افتتحت مراكز مبرَّدة ومكيَّفة لاستقبال غير القادرين على تأمين مأوى مبرَّد، وفُتحت المكتبات العامة والحدائق، وخاصة أمام كبار السن والمشرَّدين والطلاب، والمستأجرين لبيوت أو غرف غير معزولة حرارياً أو غير مزودة بأنظمة تكييف.

تعامل الحكومة الفرنسية كان إيجابياً، وركز على المرونة والسرعة بهدف توفير الحماية المباشرة وغير المباشرة للأشخاص والممتلكات ومختلف عناصر البيئة

في الوقت نفسه، تمت مراقبة مياه البحيرات والمسابح بصورة متواصلة لمواجهة أي تغير يطرأ على حرارة المياه أو نسبة التلوث، نتيجة تأثر الكلور بارتفاع درجات الحرارة، وزيادة أعداد مرتادي المسابح والمتنزهات المائية والبحيرات، ما أدى إلى إغلاق بعض البحيرات بعد فحص المياه للتأكد من سلامتها، مع إعلان أن إعادة فتحها مرتبطة بتحسن الشروط الصحية وجودة المياه. كما تم تمديد أوقات الدخول إلى المسابح والمتنزهات المائية، إلى جانب متابعة أوضاع كبار السن في المنازل، ممن لا يتمكنون من الوصول إلى الخدمات الصحية، مثل المستشفيات والمراكز المبرَّدة والمكيَّفة، بمفردهم.

ورصدت السلطات الفرنسية موازنة مالية استثنائية بلغت مائة مليون يورو، لتوفير معدات التبريد والتكييف للمستشفيات والمراكز الصحية والمرافق العامة بصورة عاجلة. كما أعلنت توفير ثلاثين ألف جهاز تكييف، على أن تبدأ عمليات التسليم اعتباراً من شهر يوليو/تموز، تداركاً لأي موجة حر جديدة، وتأميناً لقاعدة آمنة ومرنة من أجهزة التكييف والتبريد.

وقالت وزيرة البيئة، مونيك باربو، إن التكييف والتبريد حق إنساني يجب دعمه، فيما صرّح وزير العمل، جان-بيير فاراندو، بإمكانية السماح للعمال في الورشات الخارجية والأعمال ذات الطبيعة الشاقة بمباشرة أعمالهم اعتباراً من الساعة الخامسة صباحاً، لتجنب وقت الذروة الذي أصبح ينذر بمخاطر صحية وبيئية. كذلك أُغلقت المراكز الرياضية ومرافق النشاط البدني حفاظاً على سلامة الجميع، وأُعيد تنظيم المواعيد المجدولة، بما فيها المواعيد الدراسية، بما يتناسب مع الظروف الجوية، ضماناً للسلامة الشخصية والعامة.

وعلى الصعيد الفردي، أظهر السكان درجة عالية من الالتزام بالتعليمات الصادرة عن السلطات، حتى كادت الشوارع تخلو من المارة خلال ساعات النهار. كما ازداد الطلب على المياه المعدنية المبردة، وأجهزة التكييف والمراوح، بالنسبة لمن تمكن من شرائها، رغم ارتفاع أسعارها ونفاد الكميات المعروضة في الأسواق. وفي المقابل، حاول بعض التجار استغلال الوضع وتحقيق أرباح إضافية عبر إعادة بيع هذه الأجهزة بأسعار مرتفعة، كما حدث في بعض فروع مراكز التسوق الشهيرة "ليدل"، الأمر الذي استدعى تدخل الشرطة لفض النزاعات بين المتسوقين، وإغلاق بعض الفروع مؤقتاً.

إنها الطبيعة، التي لا تزال تحتفظ بقدرتها على التحكم في مسار الحياة، وبعض مظاهرها، وفي مقدمتها التغير المناخي المتسارع والعنيف، قد تكون رسالة تحذير واضحة، أو انتقاماً مباشراً، يدعو البشرية إلى التحرك الجاد قبل فناء الكوكب.

سلوى زكزك/ فيسبوك
سلوى زكزك/ فيسبوك
سلوى زكزك
مدونة سورية تقيم في دمشق، تكتب مقالات وتحقيقات صحافية، وصدرت لها ثلاث مجموعات قصصية. تكتب في مواضيع النسوية والجندر وتهتم بقضايا العنف الاجتماعي.
سلوى زكزك