غزّة بعد عامين من العتمة القسريّة

18 ديسمبر 2025
+ الخط -

ليس الليل الذي يهبط على غزّة مجرّد تعاقبٍ للزمن، ولا هو سكونٌ عابر يتسلّل بين البيوت كما يحدث في المدن الطبيعيّة. الليل هنا بُنية قهريّة، كتلة كثيفة من العتمة المترسّبة، تتكاثف حول الوجوه والأصوات، وتتحوّل تدريجيًا إلى منظومة وجوديّة خانقة تُعيد صياغة الإنسان وفق معايير الانطفاء والبقاء في الفراغ.

لم تَعُد العتمة حدثًا فيزيائيًا فحسب، بل صارت نظامًا كونيًا بديلًا، تفسيرات جديدة للوجود تُفرض على من ظلّوا في طرف العالم. تظنّ أنّ الليل مجرّد غياب للضوء؛ لكنه في هذا المكان يتكاثر، ويتحوّل إلى كائنٍ صامت يُنصت لأنفاس البيوت، ويزن آهاتها، ويطيل سكونه ليختبر هشاشتها. ليلٌ لا يشبه الليل الذي يعرفه البشر؛ ليلٌ أعمى، كثيف، يبتلع الوعي في فمه اللامرئي، ويعيده ممضوغًا بتشوّهاتٍ لا اسم لها.

هنا، يصبح الإنسان مُجبَرًا على استحضار خوذةٍ روحيّة يحمي بها ما تبقّى من ضوئه الداخلي. يسلك الناس دوائر من الذكر الصامت، لا من أجل النجاة، بل كي لا تضيع أرواحهم في القبضة السوداء. إنهم لا يواجهون العتمة، بل يستبطنونها، يفتحون لها أبواب النفس كما يفتح الصوفي باب الخلوة، لا طلبًا للصفاء بل اتقاءً للانهيار. فالعتمة حين تطول تتسلّل إلى اللغة، تكسر أبجديّتها، وتفرض على الروح ألغازًا لا يفكّها إلا من اعتاد السير على الحافة بين العقل والتأمّل.

في هذا الليل الدائم، صارت غزّة أشبه بديرٍ رمزيّ، لا رهبان فيه إلا الناجون. يحمل كلّ منهم صمته على هيئة مسبحة، الأطفال يتعلّمون شكل الظلام قبل شكل الشمس، والنساء يحصدنَ بقايا الضوء من ذاكرتهم كما تُحصد الأعشاب الطبيّة من سفوح الجبال، والرجال يحدّقون في ظلام البيوت ليقيسوا مقدار ما تبقّى لهم من احتمال الاندثار. الجميع هنا يمارس فلسفة البقاء بلا تنظير: مجرّد محاولة يوميّة لتطهير الروح من السواد كي لا تستسلم لامتداده.

عامان من العتمة القسريّة ليسا رقمًا، بل حقلًا جحيميًّا من الظلال تُعاد فيه هندسة الإدراك، ويُختَبَر فيه مدى احتماليّة انكسار الروح دون ضوضاء.

عامان من الفراغ الضوئي جعلا الليل يتماسخ مع الجدران، يتسرّب بين مسامّ الأسمنت، ويستحيل غلافًا معتمًا يُطوّق المدينة، كأنما يبتلعها ببطءٍ منهجيّ ودقّة عقابيّة.

عامان والليل ليس ليلًا، بل كتابٌ مغلق يبحث أهله عن آية نورٍ في صفحاته فلا يجدون إلا ظلالًا تتثنّى كأجنحة طائرٍ مكسور

عامان والليل ليس ليلًا، بل كتابٌ مغلق يبحث أهله عن آية نورٍ في صفحاته فلا يجدون إلا ظلالًا تتثنّى كأجنحة طائرٍ مكسور.

ثمّة شيء يتآكل في الداخل حين يطيل الليل إقامته، ليس الخوف وحده؛ بل الحسّ الداخلي بتوازن العالم.

في غزّة اليوم، يتحرّك الناس داخل ما يشبه متوالية ظلاميّة، تتداخل فيها الهواجس مع الخطوات، ويغدو السير في الأزقّة ضربًا من التنقّل بين طيّات حلمٍ سيّئ لم يكتمل.

لا أحد يرى الآخر كما هو.

الكائن الغزّي لم يعد يملك ملامحه الخارجيّة؛ فقد ابتلعتها طبقات الظلال المتراكمة. بات كلّ شخص يُعرَف بالصوت، بالأنفاس، بالارتجاف الخفيف حين يمرّ قرب جدار بارد.

الوجوه تتحوّل إلى سُحب سوداء متحرّكة، والبيوت إلى تجاويف فارغة، والطرقات إلى مسارات لا نهائيّة من العمى المختلط بالاعتياد.

وكما أن الاقتصاد تأثّر، ثمّة اقتصاد جديد نشأ من رحم هذا الليل؛ اقتصاد لا يُرى، تُدار أسواقه على بصيص شمعة، وتُفصَل آماله وتُخاط على ضوء هاتفٍ يحتضر، وتتلاشى فيه مهنٌ كاملة في الظل كما تتلاشى الكائنات الليليّة الهشّة عند اقتراب الفجر… لو أن الفجر يأتي. 

تآكلت الحِرف، وشاخت المصانع الصغيرة، وبات كلّ نشاط اقتصادي معلّقًا على ومضة كهربائيّة اعتباطيّة. ومنذ عامين، صار الوقت نفسه سلعةً متعفّنة، والنهار مجازًا ناقصًا، والليل طاغيةً معرفيًّا لا يعترف بحدود.

إنّ العتمة الطويلة تمتحن المعاني قبل أن تمتحن الأجساد. تسرق من الزمن شكله، ومن الليل اسمه، ومن الإنسان يقينه بالعالم. تصبح الأيام متشابهة كصفحات مخطوطٍ بلا عناوين، وتتحوّل الليالي إلى أرخبيلات مظلمة متلاصقة، يعبرها المرء كما يعبر متاهة ميتافيزيقيّة أُغلقت نوافذها كلّها. وفي قلب هذا الامتداد المعتم، يتولّد وعيٌ جديد: وعيٌ أكثر توحّشًا وأشدّ روحانيّة، يمزج بين الهلوسة والتسليم، بين الغضب والسكينة، بين الرغبة في الصراخ والخشوع القسري للصمت.

غزّة اليوم ليست مجرّد مدينة بلا كهرباء، بل كيانٌ دخل طورًا روحيًا قاسيًا، كأنها تتطهّر بالنار التي لا تُرى، تُصفّي وجودها عبر غربال العتمة، وتجرّد أبناءها من كلّ زوائدهم حتى لا يبقى إلا جوهرٌ صلب عصيّ على الانكسار. ومن داخل هذا الجوف الليلي يتكوّر شكلٌ غريب للمقاومة: مقاومة ليست صخبًا ولا شعارًا، بل تُشبه الدعاء المُلقى في ظلمة الكهوف، دعاءً ثقيلًا ينحفر في الكون ببطء، كأنه يسعى إلى إعادة كتابة قوانين الضوء نفسه.

عامان من العتمة القسريّة جعلا الليل أكثر من زمن: صار معلّمًا صوفيًا قاسيًا، يفرض دروسه بلا رحمة، ويقود الأرواح إلى حدودها القصوى. ومع ذلك، وسط هذا الامتحان الذي لا يشبه شيئًا في تجارب البشر، تظلّ غزّة تُقاوم بطريقتها الفلسفيّة العتيقة: أن تحافظ على شرارة واحدة، لا تُرى، مخبوءة في القلب، وتعتبرها دليل الطريق. فليس كلّ نورٍ مرئيًا، ولا كلّ ظلامٍ قادرًا على الانتصار.