غزة ما بعد 2025 في ميزان الإقليم
غزة ما بعد 2025 لا تُستقبَل بوصفها مرحلةً زمنيةً جديدة، بل حساباً مؤجَّلاً انفجر دفعةً واحدة. ليست "ما بعد حرب"، ولا "بداية إعادة إعمار"، بل لحظة تعرية قاسية لما يُسمّى ميزان الإقليم؛ ميزانٌ اختلّ طويلاً حتى صار العدل فيه عبئاً، والدم رقماً، والنجاة استثناءً. في هذه اللحظة، تقف غزة لا بوصفها طرفاً في صراع، بل بصفتها اختباراً أخلاقيّاً وسياسيّاً يكشف حدود القوة، وعجز اللغة، وفضيحة الصمت.
في ميزان الإقليم، تُحمَّل غزة أكثر مما تحتمل: مخاوف الجيران، وحسابات النفوذ، وهواجس الاستقرار، وكسل الضمير الدولي. الإقليم لا يرى غزة، بل يرى انعكاسه فيها؛ يرى فشله عارياً، فيرتبك. لذلك تُحاصَر مرتين: مرة بالسلاح، ومرة بالصمت الأنيق. تُقتل بالقنابل، وتُقتل باللغة: "تهدئة"، "ترتيبات"، "اليوم التالي"؛ كلمات نظيفة تُخفي تحتها رائحة اللحم المحترق. ومع ذلك، تبقى غزة هي الكفّة التي لا تُطوى، لأنّ بقاءها، رغم الركام، يربك كل المعادلات.
غزة لم تعد ساحة صراع، بل هي مسلخ سياسي. تُختبَر فيها حدود التحمّل الفلسطيني، لا حدود العدوان
في الحسابات الإقليمية، تُوزن غزة بالأرقام: أمن، حدود، نفوذ، تهدئة. أمّا في روحها، فتُوزن بالأسماء: طفل تعلّم تهجئة الخوف قبل الحروف، وأمّ صارت خيمةً لأسرةٍ كاملة، وشهيد لم يُمنَح رفاهية أن يكون رقماً. هنا يختلّ الميزان؛ فالسياسة لا تعرف كيف تحسب الدموع.
غزة لم تعد ساحة صراع، بل هي مسلخ سياسي. تُختبَر فيها حدود التحمّل الفلسطيني، لا حدود العدوان. كم جثة تكفي ليهدأ الشارع؟ كم طفلاً يلزم لإعادة فتح المعابر؟ كم بيتاً يجب أن يُمحى ليغدو الدمار "مقبولاً" دولياً؟ ليست هذه أسئلة سرّية، بل معايير غير مكتوبة تحكم ميزان الإقليم.
في العواصم، تُقرأ غزة كما تُقرأ خرائط الزلازل: أرقام، احتمالات، ارتدادات. لا أحد يسمع صوت الأرض وهي تنكسر، ولا يسأل الحجر كيف احتمل جسد طفل. هناك أيضاً تُناقَش غزة كمرضٍ مزمن: لا يُشفى، لكن يمكن التعايش معه. لا أحد يريد علاجه جذرياً، لأن العلاج مكلف، وقد يفضح الطبيب. لذا يُكتفى بالمسكّنات: شاحنات مساعدات تمرّ تحت السماء التي قصفتها، ومؤتمرات تُلتقط صورها فوق أنقاضٍ لم تبرد بعد. الميزان هنا لا يعرف إلّا المعدن البارد؛ أمّا اللحم فلا وزن له في جداول الحساب.
في هذا الميزان المختلّ، ليست غزة ضحيةً فقط، بل إدانة. وجودها المستمر يفضح هشاشة إقليمٍ يملك فائض قوة بلا فائض عدالة؛ إقليم يتقن إدارة النار، ويخشى إدارة الحق. لذلك تُترك غزة معلّقة: لا تُنقَذ كي لا تُحرِج، ولا تُفنى كي لا تُدان.
في هذا الميزان المختلّ، ليست غزة ضحيةً فقط، بل إدانة. وجودها المستمر يفضح هشاشة إقليمٍ يملك فائض قوة بلا فائض عدالة؛ إقليم يتقن إدارة النار، ويخشى إدارة الحق
بعد 2025، تبدو غزة مدينةً خرجت من الأسطورة لتُحرج الواقع. ينظر إليها الإقليم بحذر، كمن يخشى عدوى السؤال: ماذا لو كانت هذه البقعة الصغيرة قادرة على كشف عجز الخرائط الكبرى؟ ماذا لو كانت غزة، بكل هشاشتها الظاهرة، أقوى من أن تُدار، وأصدق من أن تُختصر؟
في ممرّات القرار الإقليمي، تُناقَش غزة بصوتٍ منخفض، كأنها سرّ ثقيل. يُراد لها أن تكون "ملفاً" لا "قضية"، و"مشكلة" لا "معنى". لكن غزة، التي اعتادت أن تعاند التعريفات، تعود لتفرض لغتها: لا إعادة إعمار بلا كرامة، ولا استقرار بلا عدالة، ولا مستقبل يُبنى على إنكار الجرح.
غزة ما بعد 2025 تقف بين زمنَين: زمن الإقليم الباحث عن هدوءٍ قابل للتسويق، وزمن الفلسطيني الذي لا يطلب أكثر من حياةٍ لا تُؤجَّل. في هذا الفراغ، تصبح غزة شاهداً لا وسيطاً، ومساءلة لا ورقة تفاوض. وجودها وحده يربك الحسابات، لأن البقاء هنا فعل مقاومة، والعيش نفسه موقف.
وحين يميل ميزان الإقليم، لا تميل غزة معه بسهولة. لم تتعلّم الانحناء إلا لتلتقط أبناءها من تحت الأنقاض، وما عدا ذلك بقيت واقفة: أقلّ من دولة، وأكثر من حكاية، وأثقل من أن تُحمَل على أكتاف المصالح.
غزة ما بعد 2025 ليست خاتمة فصل، بل بداية مساءلة طويلة لموازين الإقليم كلّه. فما انكشف لم يكن حجم الدمار وحده، بل ضآلة المعايير التي قيس بها. مدينة وُضعت طويلاً في كفّة المصالح، ففضحت اختلال الميزان بدل أن تنكسر تحته.
إن النظر إلى غزة بوصفها "مشكلة" يُراد احتواؤها، لا "قضية" يُراد إنصافها، هو جوهر العطب. فغزة، بكل جراحها المفتوحة، لا تطلب رجحاناً في الميزان، بل عدلاً يعيد للميزان معناه. وحتى يحدث ذلك، ستبقى شاهداً ثقيلاً على زمنٍ اختار التوازن مع القوة، وخسر توازنه مع الحق.