غزة بين الغلاء ونقص السيولة.. صراع يومي على البقاء
في غزّة، حيث تضرب الأزمات الاقتصادية والقيود المالية أركان الحياة اليومية، تعيش الطبقات الهشّة معاناة مستمرة لا تُقاس بالأرقام في التقارير الأمميّة، ولا بالإحصاءات المتداولة في القنوات الإعلاميّة، بل بالوجوه المُتعبة، التي تتصبغ بالقلق، والقلوب المثقلة، والخيّارات الصعبة التي يفرضها الواقع المرير. وبين مطرقة الأسعار المتصاعدة وسندان السيولة المحدودة، تصبح الحياة هنا لعبة شاقة على قدر البقاء، ويغدو رغيف الخبز أكثر من مجرد غذاء، بل رمزاً للصمود والكرامة.
ومع استمرار الأزمات السياسيّة والحصار المفروض على القطاع، شهدت الأسواق المحليّة ارتفاعاً متواصلاً في أسعار السلع الأساسية، من الغذاء والوقود إلى خدمات التعليم والصحة. هذه الزيادات تؤثر بشكل مباشر على الأسر الهشّة، التي تمثل احتياجاتها الأساسيّة أكثر من 70% من دخلها المحدود. وفي ظل هذه الظروف، تضطر الأسر إلى خفض استهلاكها من الغذاء والخدمات الضروريّة، أو اللجوء إلى خيارات أقل جودة لتلبية الاحتياجات اليوميّة.
وإلى جانب ارتفاع الأسعار، يقف الناس هنا في غزّة، حيث الهواء مثقل بخشونة الواقع والخراب، على حافة يومهم كمن يمشي فوق حبال مشتعلة. كل شيء يُقاس بالوجع: سعر رغيف خبز، نقطة وقود، أو دولار لا يصل. تعيش هذه الأسر في دوّامة يومية من المواجهة، أكثرها قتامة مشكلة نقص السيولة النقدية؛ فالقيود المصرفيّة والتحويلات البنكية المحدودة أو المتعثرة تجعل الوصول إلى الأموال أمراً بالغ الصعوبة، ما يزيد معاناة تأمين الاحتياجات الأساسية. والاعتماد على النقد يضع الأسر في مواجهة مباشرة مع الأسواق، التي تفرض خيارات قاسية تُجبر الناس على مقايضة الضروريّات بضروريات أخرى.
هنا، كل صفقة تجارية اختبار للبقاء؛ فالموز يُباع بسعر يشبه كومة من الذهب، والزيت يُقايض بالعرق والدم، والدجاجة الأخيرة في السوق قادرة على تغيير مصير عائلة بأكملها. السيولة شحيحة، لكن الحاجات لا تتوقف، فتجد الأسر نفسها مضطرة للمقايضة: قطعة لحم هنا مقابل رغيف هناك، أو دفعة دين تُرجأ على أمل أن يُرفع الحصار عن الطريق، أو أن تشرق شمس تحمل معها بعض الأمل الخجول.
الطبقات الهشّة هنا تعلم أن الحياة ليست منصفة، وأن الصبر ليس خياراً بل فرضاً. تتعلم أن كل ورقة نقدية تحمل قدراً من الألم
وفي كل صباح، حين تُفتح النوافذ على الأسواق، تتعالى أصوات المساومات، ويُرى الأطفال يحملون حقائبهم الممزقة، والنساء يقارنّ الأسعار كأنهن في مسابقة حياة أو موت. كل شيء تحوّل إلى لعبة معقدة بين مطرقة الأسعار وسندان السيولة.
الطبقات الهشّة هنا تعلم أن الحياة ليست منصفة، وأن الصبر ليس خياراً بل فرضاً. تتعلم أن كل ورقة نقدية تحمل قدراً من الألم، وأن كل شيكل قادر على تحديد من ينام جائعاً ومن يأكل. ينام الناس على أصوات السوق، وعلى دويّ الشاحنات التي تحمل البضائع، وعلى أزيز المولدات التي لا تكفي لإحياء الحياة، وعلى صدى المكعبات الخشبية التي تذكّرهم بأن أطفالهم يكبرون وسط نقص دائم. ورغم كل ذلك، تبقى حياة صامتة تنبض: ضحكات خافتة، أيادٍ تتشابك لتتجاوز الليل الطويل، ومقاومة غير معلنة، صامتة ومريرة.
يتعلم الإنسان في غزّة معنى الصمود الحاد، الحاد كالسكين، كحافة حياة لا تعرف الراحة، وكخيبة تتكرر حتى تصبح جزءاً من الروح
المقاومة في غزّة ليست في الحجارة أو السلاح فقط، بل في قدرة الإنسان على الوقوف رغم الألم؛ في شراء رغيف خبز ولو كان الثمن تأجيل دفع الإيجار؛ في دفء الأب الذي يغطي أبناءه بثياب قديمة بينما يرتجف من البرد والجوع؛ وفي الأم التي تمسك بيد طفلها وتخبره أن الحياة، رغم كل شيء، ما زالت ممكنة.
إنها مقاومة تجعل الألم أكثر عمقاً، لكنها أيضاً أكثر إنسانية. ففي مواجهة الأسعار المرتفعة والقيود المالية الخانقة، يتعلم الإنسان في غزّة معنى الصمود الحاد، الحاد كالسكين، كحافة حياة لا تعرف الراحة، وكخيبة تتكرر حتى تصبح جزءاً من الروح.
هنا، لا تُقاس قيمة الإنسان بما يملك، بل بما ينجو منه. وكل ما تبقى للطبقات الهشّة هو الصبر، والغضب المكبوت، والأمل الذي يكاد يكون ممنوعاً. ومع ذلك، يواصلون الحياة.
وفي نهاية المطاف، تبقى هذه الطبقات تعيش يومياً بين مطرقة الأسعار وسندان السيولة، في مواجهة مستمرة لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة. وبدون دعم اقتصادي واجتماعي فعّال، ستظل هذه الأسر تواجه تحديات معيشية متصاعدة تؤثر في كل جانب من جوانب حياتها اليومية.