غزة… بيئة مُنهَكة قبل الحرب وبعدها

15 يناير 2026   |  آخر تحديث: 17:58 (توقيت القدس)
+ الخط -

لم يكن الواقع البيئي في قطاع غزة، حتى قبل الحرب الأخيرة، في أفضل حالاته. فمنطقة صغيرة المساحة، ذات كثافة سكانية تُعد من الأعلى عالمياً، ومحدودة الموارد الطبيعية، تعيش منذ سنوات تحت ضغط متواصل ببنية تحتية تعمل عند حدود قدرتها القصوى. كانت تدخل كل أزمة جديدة وهي مثقلة بأزمات سابقة لم تُحلّ.

في مثل هذا الواقع، لا تكون البيئة أولوية مستقلة، بل ملفاً مؤجلاً، يتآكل بصمت تحت ضغط الاحتياجات اليومية، ويُدار بإمكانات شحيحة واستثمارات محدودة، في ظل أولويات معيشية ملحّة تفرض نفسها على تفاصيل الحياة، وتدفع الإنسان إلى التعامل مع الأزمة قبل التفكير في آثارها البيئية طويلة المدى.

على مساحة لا تتجاوز 365 كيلومتراً مربعاً، يعيش أكثر من مليوني إنسان، ما يجعل قطاع غزة من أكثر مناطق العالم كثافة سكانية. هذا الاكتظاظ، حتى في الظروف الطبيعية، فرض ضغطاً هائلاً على الموارد المحدودة أصلاً: المياه الجوفية، الشريط الساحلي، الأراضي الزراعية، وشبكات البنية التحتية التي أُنشئت في معظمها لخدمة عدد سكان أقل بكثير.

ومع ضعف الاستثمار البيئي وغياب الإمكانات التقنية والمالية، بقيت إدارة المياه والطاقة عند الحد الأدنى من القدرة على الصمود، فيما ظلت إدارة النفايات تحدياً مزمناً في ظل نقص المكبات الصحية، وشح الوقود، وضعف قدرات البلديات، وكلها عوامل تترك بصماتها على جودة الحياة اليومية، حتى قبل أن تشتعل الحرب وتضاعف ما كان قائماً.

في هذا السياق البيئي الهش، جاءت الحرب لتضاعف الأثر، لا لتخلقه من فراغ. دراسات علمية قدّمت قراءة أولية للأثر المناخي، وأشارت إلى أن الانبعاثات الكربونية خلال أول شهرين تجاوزت انبعاثات عشرين دولة من أكثر دول العالم هشاشة مناخياً. وأشار تقرير لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة إلى توليد أكثر من 39 مليون طن من الأنقاض الناتجة من تدمير المباني والطرق والبنية التحتية.

بعيداً عن دلالتها التقنية، تعكس هذه الأرقام حجم الضغط الإضافي الذي فُرض على بيئة كانت أصلاً تعمل عند حدود طاقتها القصوى.

في غزة، لا تُقاس الأزمة البيئية بالأرقام وحدها، بل بتراجع الإحساس بالأمان، وبالعجز عن التخطيط للغد، وبالتحوّل اليومي لتفاصيل الحياة إلى معركة صغيرة للبقاء وسط بنية تحتية تعمل عند حدودها القصوى.

وسلطة جودة البيئة الفلسطينية، في تقريرها الأولي حول الأضرار البيئية، وصفت واقعاً تتقاطع فيه الأزمة البيئية مع الأزمة الإنسانية. تعطّل محطات معالجة المياه، على سبيل المثال، تحوّل سريعاً إلى مشكلة تمسّ حياة الناس اليومية، مع تسرب المياه العادمة إلى التربة والبحر، ما أثّر بالبيئة الساحلية وبمصادر رزق آلاف العائلات التي تعتمد على الصيد.

قبل الحرب، كانت شبكات المياه والصرف الصحي بالكاد تلبّي الاحتياجات المتزايدة. ومع تضرر جزء كبير منها، أصبح الحصول على مياه صالحة للاستخدام تحديًا يوميًا، خصوصاً في مراكز الإيواء والمناطق المكتظة. هنا لا يواجه المواطن خطر المرض فقط، بل تراجعاً ملموساً في نوعية الحياة، من ساعات انتظار طويلة للمياه، إلى قلق دائم من التلوث، وعجز عن الحفاظ على الحد الأدنى من الكرامة.

أما إدارة النفايات، فقد كانت من أعقد الملفات حتى في فترات الهدوء النسبي. محدودية المكبات، نقص الآليات، وشح الوقود، جعلت من جمع النفايات عملية شاقة. ومع الحرب، تضاعفت الكميات، واختلط الركام بالنفايات المنزلية والطبية، ليجد الأهالي أنفسهم محاطين بأكوام يصعب التحكم بها، فيما وُضعت البلديات أمام مهمة شبه مستحيلة.

الركام المتراكم، بنحو 60 مليون طن، يشكل عبئاً بيئياً طويل الأمد، يلوّث الهواء، ويغيّر خصائص التربة، ويعقّد أي محاولة للعودة إلى حياة مستقرة. حتى الأمطار والمنخفضات الجوية، التي كانت أحداثًا موسمية عابرة، تحوّلت إلى مصدر قلق دائم، مع اختلاطها بالمياه العادمة وغرق المناطق المنخفضة، في مشهد يكشف هشاشة البنية التحتية ويُظهر كيف يمكن لعامل طبيعي بسيط أن يتحول إلى أزمة إنسانية في بيئة دُمّرت بعد الحرب.

في هذا المشهد، تتقاطع البيئة مع الإنسان بشكل كامل. فالتدهور لا يُقاس فقط بالأرقام، بل بتآكل الإحساس بالأمان، وبالعجز عن التخطيط للغد، وبتحوّل تفاصيل الحياة اليومية إلى معركة صغيرة للبقاء. الحديث عن التعافي لا يمكن أن يتجاهل هذه الخلفية. فغزة تحتاج إلى إعادة بناء ما تهدّم، وإلى استعادة التوازن بين المكان وسكانه، وإعادة الحد الأدنى من قابلية الحياة في مساحة أنهكها كل شيء.