غداء إلكتريك
ما إن دخلت المكان وجلسنا، حتى أدركت أنّ الجو مشحون بطاقة سلبية. توتّر صاحب الدعوة الذي بدا مستاءً من انقطاع الاشتراك بالمولد "اليوم بالذات"، ومن ثم المكيّف بعد المصعد. توتّر زوجته التي تحاول مدّ مائدة عرمرمية لنا نحن زوّارها، رغم قصر ذات اليد الذي تعيشه عائلتها منذ سنوات: بطالة متقطّعة لعمل الزوج المهندس، وعملها صاحبةَ مكتبة. والأهم توتّرها لقرب مغادرة ابنها مهاجراً وزوجته إلى فرنسا مع ابنتهما الرضيعة.
توتّر ابنتها المتزوّجة أيضاً، والتي تعيش تقريباً مع أمها لتعينها على تربية طفليها المتوتّرين ومراقبتهما، بدورهما، بسبب غيرة كل منهما من الآخر.
توتّر العمّة التي كانت جالسة على رأس الطاولة، والتي لا تنفك تسمن في كلّ مرّة أراها، تبتلع في أيّ وقت أيّ شيء وهي تضحك، كمن يريد أن يثبت لنفسه أنّ العائلة ستحبّها مهما بلغ وزنها. كأن الحبّ مرتبط بالوزن. حبٌّ بالكيلو.
توتّر الحفيدة، صديقة الطفولة، الخارجة لتوّها من أزمة صحية خطيرة، والتي "تفقع"، بسبب "مزاجها الكيميائي"، بين حين وآخر. تتكلّم بصوت عال، كمن يريد أن يسيطر على كلّ ما يُحيط به. ما إن تقول إنك تحبّ شيئاً ما، حتى تنبري لتقول "بالعكس" تماماً، وإنك مخطئ في حبّك للفاصوليا مثلاً أكثر من الحمص.
توتّر الضيفة الفرنسية التي جاءت وإيانا إلى هذه الدعوة للغداء. تُراقب بصمت من دون أن تفهم، وقد أدركت أنّ وجودها في هذا الجو، خطأ.
الجو مشحون كما لو أنّنا في مختبر مفتوح للفيزياء والكيمياء معاً
أتوتّر أنا أيضاً. أنتبه إلى ذلك متأخّرة. فقد ضبطت أعصابي طوال الطريق من بيروت إلى صيدا مع صديقتي التي كانت تقود تماماً كما تتحدّث: بصوت عال ومزاج عدواني وتنافسي، يريد السيطرة على كلّ ما حوله. هذه الأيّام تمارس مزاجيتها برخصة طبية، بالضغط العنيف والمتكرّر على الفرامل، والتنافس مع سيارة تزاحمها هنا أو هناك. تشتم، وتكاد تبكي حين توقفنا للتموّن بالوقود، ولم تجد بطاقة سحب المال في جيبها، حتى إنها همّت بالعودة أدراجها إلى بيروت.
الجو في الخارج أيضاً، في البلد، مشحون. تزيد من مساوئه رطوبة ذروة الصيف الذي لم يمطر بعد لكي يفرغ الجو من شحنات الكهرباء، ولو بعاصفة واحدة.
الجو مشحون كما لو أنّنا في مختبر مفتوح للفيزياء والكيمياء معاً، وقد تحطّمت بعض القوارير وتفاعلت العناصر التي امتزجت بعضها ببعض، فتصاعدت أبخرة مؤذية في الجو ودخان سام لونه بنفسجي مثلاً. وهذا يوم عطلة.
الكلّ متوتّر. الكلُّ عدواني. المزاج متقلّب. المجتمع "شوب". تزيد من حرارته أخبار أسرلة سورية الجاري على قدم وساق، ومشاهد غزة التي لن يبقى فيها، باستمرار الإبادة الجارية، من أو ما يخبر عمّا حدث. وبالطبع، هذا كلّه بمرافقة الموسيقى التصويرية لمسيّرات إسرائيلية تجوب السماء اللبنانية، وهي تختار، كما لو كانت في مهمّة تسوّق، سلسة أهداف من المواطنين في بيوتهم أو سياراتهم فتقتلهم. أمس اصطادت مواطناً كان يجلس في مقهى على الطريق العام الذي يؤدي إلى الجنوب.
نقص المناعة الوطنية ضدّ العدو، والتدخّل الأجنبي، والطائفية، كلّها هي الأخرى، عادت بأبهى حللها
توتّر خطباء الجمعة والأحد منذ جلستي الثلاثاء والخميس الشهيرتين، واللتين أقرّت فيهما حكومة "قوة لبنان في ضعفه" بند نزع سلاح المقاومة. ورقة التفاوض الوحيدة في يدنا، وذلك على الرغم من رزوح البلاد بكامل جغرافيتها البرية والبحرية والجوية، وبأشكال متنوّعة، تحت الاحتلال الإسرائيلي/الأميركي.
في الراديو صباحاً، قالت المذيعة إنّ هناك عودة، بعد غياب طويل، لمرض نقص المناعة إلى لبنان. يا للمصادفة، نقص المناعة الوطنية ضدّ العدو، والتدخّل الأجنبي، والطائفية، كلّها هي الأخرى، عادت بأبهى حللها. ها هي السلطة تطلق سراح أسير إسرائيلي من دون أن يخطر ببالها مبادلته بالأسرى اللبنانيين في يد العدو، لا بل إنها قد تجرؤ على إطلاق سراح عميل خطير كان السبب في نجاح إسرائيل في سلسلة اغتيالاتها وقصفها لبيروت. أمّا التلفزيونات فتبرّر للسلطة خطيئتها الرهيبة بالقول إنّ الأسير الإسرائيلي لا تنطبق عليه معايير الأسر لأنه.. مدني! طبعاً اللبنانيون المدنيون الستة من بين الأسرى الأحد عشر في يد إسرائيل لم يخطروا ببال كاتب التقرير.
منسوب التوتّر الطائفي يرتفع. بالأحرى، يُرفع عمداً، وبمجهود واضح من فاعلي الخير الإقليميين وبالتضامن مع بعض المواطنين اللبنانيين من محبّي إسرائيل وأصدقائها.
التوتّر الطائفي عالي النبرة، لكنه لم يصل بعد إلى المستوى المطلوب لحرب أهلية، خصوصاً لشعب لديه خبرة مثلنا. الأرجح، أيضاً، أنه ليس هناك من تمويل بعد لهذا السيناريو. فما تفعله السلطة في لبنان، يؤمّن للمحور الإسرائيلي الأميركي، كلّ ما يريده، فلم الإنفاق؟ سيكون ذلك تبذيراً، والله لا يحب المبذرين.
لبنان يغلي. الفضاء الافتراضي يغلي. أمّا على الأرض؟ فتبدو الشوارع متجهمة، على حافة "مشكل" لأيّ سبب. تماماً ككل من كانوا يجلسون حول طاولة هذا الغداء العائلي الموسّع في يوم عطلة، يأكلون ويشربون معاً، من دون أن يخفّف هذا الاجتماع الاحتفالي من عدوانيتهم التي كانت تخرج على شكل تعليق لئيم من هنا، وردّ أشدّ لؤماً من هناك.
ثم علت نبرة الجدال. النقاش كان حول تطوّرات سورية، لكن، بدا أنّه سيحتدم. ارتفعت الأصوات وتسارعت حركات الأيدي ولمعت العيون بغضب.
فجأة، وجدت نفسي أنهض عن طاولة الطعام. وقفت، وسمعت نفسي أقول: "أعتذر، عليّ العودة إلى بيروت. سفرة دايمة".
كنت قد وصلت منذ ساعة تقريباً. بُهت الجميع: أنا أولاً، حين سمعتُ نفسي أقول ذلك من دون تفكير أو حساب للياقات الاجتماعية، ثم البقية: صاحب الدعوة، الذي وضع ملعقته جانباً من دون كلمة. الضيفة الفرنسية التي لم تفهم ما قلت، لكنها أحسّت بشرقطة الكهرباء في الجو. العمّة التي رجتها الكنّة بلطف عدم تناول الدهون، لأنّ وزنها زاد وهذا سيئ لقلبها، فردّت عليها كمن يطلق النار في اشتباك: شوفي حالك! الحفيدة التي تريد أن تفوز على الجميع بأيّ نقاش، بُهتت هي الأخرى. بُهت الصغيران اللذان كانا يحدثان الضجيج. مائدة الغداء التي كانت تعجّ بفوضى بقايا الطعام، هي الأخرى بدا أنّها بُهتت. ساد صمت للحظات، ثم قالت الرضيعة التي بدأت تحبو للتوّ: ددي! أي بلغة الأطفال: سأضربك.
وضعت حقيبتي على ظهري. استودعت الجميع بابتسامة مفتعلة. لحقت بي الكنّة لتودعني عند الباب، ثم قالت بصدق يختلط فيه الإحراج بالتفهم، إنها حزينة لرحيلي "هكذا". سألتها أن لا تفعل، ووعدتها أن أعود لزيارتها مرّة أخرى، حين لا يكون "الجميع" عندها.
ما إن وصلت إلى الشارع حتى تنفست الصعداء. مشيت الهوينى باتجاه الطريق العام، مزوربة في الشوارع الفرعية المُهملة لصيدا، المدينة الكئيبة والمشعثة. قلت لأوّل سيارة توقفت بجانبي: بيروت؟ فأجابني سائقها: تفضلي. فتفضّلت.