العلاقة بين العدالة والوحدة: إطار وطني أم شرط سياسي مُعطِّل؟

04 فبراير 2026
+ الخط -

تُستدعى العدالة الانتقالية عادة في اللحظات التي تفقد فيها المجتمعات قدرتها على الاستمرار بالآليات القديمة لتنظيم العنف والسلطة، وتجد نفسها مُضطرة إلى التفكير في كيفية العبور من ماضٍ مُثقل بالانتهاكات إلى مستقبل يُفترض أنّه أقلّ قسوة وأكثر قابلية للحياة. هي ليست مفهوماً قانونياً محضاً، ولا إجراءً تقنياً يمكن فصله عن سياقه السياسي والاجتماعي، بل مقاربة شاملة لسؤال السلطة، والمسؤولية، والذاكرة، والعلاقة بين الدولة والمجتمع بعد الكارثة. العدالة الانتقالية، بهذا المعنى، ليست إدارة للماضي فقط، بل محاولة لإعادة تأسيس الحاضر على أسس مختلفة.

في جوهرها، تقوم العدالة الانتقالية على الاعتراف بأنّ العنف الذي مورس لم يكن انحرافاً عارضاً، بل نتاج بنى سياسية وأمنية وقانونية سمحت به أو شجّعته. لذلك، فهي لا تكتفي بمساءلة أفراد، بل تسعى إلى تفكيك الشروط التي جعلت الانتهاكات مُمكنة ومُتكرّرة. كشف الحقيقة، المحاسبة، جبر الضرر، إصلاح المؤسسات، وضمان عدم التكرار، ليست عناصر مُنفصلة، بل حلقات في مسار واحد، يهدف إلى نقل المجتمع من منطق القوّة والغلبة إلى منطق الحقوق والمواطنة.

غير أنّ العدالة الانتقالية لا تعمل في فراغ. فهي تفترض وجود حدّ أدنى من الإرادة السياسية، واعترافاً رسمياً بأنّ ما جرى كان ظلماً يستوجب المعالجة، لا مجرّد صفحة مؤلمة يُراد طيّها. كما تفترض استعداداً اجتماعياً لمواجهة الماضي، لا للهروب منه. في كثير من التجارب، كان الفشل في العدالة الانتقالية ناتجاً ليس عن نقص القوانين أو الخبرات، بل عن استخدام خطاب الاستقرار والمصالحة لتفريغ العدالة من مضمونها، وتحويلها إلى أداة لإدارة الصمت بدل كسرِه.

ليست العدالة الانتقالية إدارة للماضي فقط، بل محاولة لإعادة تأسيس الحاضر على أسس مختلفة

من هنا، تبرز العدالة الانتقالية كسؤال عن نوع السلام المُراد بناؤه. السلام الذي يقوم على النسيان القسري، أو على تسويات فوقية تتجاهل الضحايا، غالباً ما يكون سلاماً مؤجّلاً، يحمل في داخله بذور عنف جديد. أما السلام الذي يمرّ عبر الاعتراف والمساءلة، حتى وإن كان مساراً طويلاً ومؤلماً، فيمتلك فرصة حقيقية للاستمرار. العدالة الانتقالية لا تعد بمجتمع خالٍ من الصراع، لكنها تَعِد بإخراجه من دائرة العنف المُنظّم الذي ترعاه الدولة.

عند الانتقال إلى الحالة السورية، تزداد تعقيدات هذا المفهوم إلى حدّها الأقصى. فالعنف الذي عرفته سورية لم يكن فقط واسع النطاق، بل كان بنيوياً، وممتدّاً على عقود، ثم انفجر على نحو شامل خلال سنوات الصراع. الدولة السورية، في صيغتها السابقة، لم تكن مجرّد دولة فشلت في حماية مواطنيها، بل دولة لعبت دوراً مركزياً في إنتاج العنف وتنظيمه. هذا ما يجعل العدالة الانتقالية في سورية ليس مجرّد استحقاق لاحق للصراع، بل شرطاً لإعادة تعريف الدولة نفسها.

في السياق السوري، لا يمكن الحديث عن عدالة انتقالية من دون التوقّف عند حجم الانتهاكات، وتعدّد الفاعلين، وتفتّت المجتمع، وانقسام الذاكرة الجماعية. ملايين الضحايا، بين قتيل ومُعتقل ومفقود ونازح، لا يشكّلون رقماً يمكن استيعابه بسهولة في خطاب سياسي عام. هم حضور دائم في الحياة اليومية، وفي غيابهم القسري، وفي ما خلّفه العنف من خوف وانعدام ثقة. أي مقاربة للعدالة تتجاهل هذا العمق الاجتماعي تتحوّل إلى ممارسة شكلية، حتى لو اتخذت لغة قانونية مُتقنة.

ما زالت الدولة في سورية في طور إعادة التشكّل، وسط انقسامات سياسية وإدارية وأمنية عميقة

تُضاف إلى ذلك أزمة الدولة نفسها. العدالة الانتقالية تفترض دولة قادرة على مساءلة ذاتها، أو على الأقل على الاعتراف بدورها السابق. في سورية، ما زالت الدولة في طور إعادة التشكّل، وسط انقسامات سياسية وإدارية وأمنية عميقة. هذا الواقع يطرح سؤالاً إشكالياً: كيف يمكن إطلاق مسار عدالة انتقالية في ظلّ دولة غير مُكتملة؟ وهل يُنتظر اكتمالها، أم يُنظر إلى العدالة بوصفها جزءاً من عملية التشكّل نفسها؟

هنا تبرز مسألة وحدة سورية، لا بوصفها محور العدالة، بل كإطار عملي لها. العدالة الانتقالية الشاملة تحتاج، في نهاية المطاف، إلى دولة واحدة، وقانون واحد، ومؤسسات قادرة على العمل على مستوى وطني. لكن تحويل هذه الحاجة العملية إلى شرط سياسي مُسبق قد يؤدي إلى تعطيل العدالة بدل تنظيمها. التجربة السورية تُظهر أنّ انتظار اكتمال الشروط المثالية غالباً ما يعني تأجيل الاستحقاقات الصعبة إلى ما لا نهاية.

الأدق هو التمييز بين العدالة الانتقالية كمسار طويل، وبين خطواتها الأولى التي لا تحتاج إلى دولة مُكتملة بقدر ما تحتاج إلى إرادة واضحة. الاعتراف بالضحايا، كشف مصير المفقودين، توثيق الانتهاكات، ووضع مبادئ قانونية تحكم المرحلة الانتقالية، كلّها خطوات يمكن أن تبدأ بالتوازي مع مسار إعادة توحيد الدولة، لا بعده. هذه الخطوات لا تحلّ محلّ العدالة الكاملة، لكنها تمنع تحويل الوحدة إلى عملية تقنية خالية من البعد الأخلاقي.

لا يمكن الحديث عن سلم أهلي فيما آلاف العائلات معلّقة بين الإنكار والانتظار

ملف المعتقلين والمفقودين يشكّل هنا نموذجاً مُكثّفاً لهذه الإشكالية. هو ملف يتجاوز كونه مسألة حقوقية، ليصبح معياراً لصدقية أيّ مشروع وطني. لا يمكن بناء دولة قابلة للحياة فيما هذا الجرح مفتوح، ولا يمكن الحديث عن سلم أهلي فيما آلاف العائلات معلّقة بين الإنكار والانتظار. معالجة هذا الملف ليست تفصيلاً إنسانياً، بل جزء من إعادة تأسيس المجال العام على قاعدة الحقيقة لا الصمت.

في المحصلة، العدالة الانتقالية في سورية ليست مسألة ترتيب أولويات بين الوحدة والعدالة، بل مسألة فهم لطبيعة التحوّل المطلوب. المطلوب ليس فقط إنهاء الصراع، بل الخروج من نموذج الدولة التي أدارت العنف كوسيلة حكم. هذا الخروج لا يتحقّق دفعة واحدة، ولا عبر قرارات تقنية، بل عبر مسار طويل يبدأ بالاعتراف، ويمرّ بالمساءلة، وينتهي بإعادة تعريف الدولة بوصفها إطاراً لحماية المجتمع لا لإخضاعه. العدالة الانتقالية، بهذا المعنى، ليست عبئاً إضافياً على سورية الخارجة من الحرب، بل أحد الشروط القليلة المُتاحة لكي لا يُعاد إنتاج الحرب بأشكال أخرى.