سورية من العزلة إلى الانفتاح: بداية عهد جديد

03 أكتوبر 2025
+ الخط -

وصول الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع إلى نيويورك في 21 سبتمبر/ أيلول 2025 للمشاركة في الدورة الـ80 للجمعية العامة للأمم المتحدة يمثّل لحظة فارقة في تاريخ سورية. هذه الزيارة ليست مجرد حدث دبلوماسي روتيني، بل إعلان واضح عن نهاية حقبة العزلة التي فرضها نظاما الأسد على السوريين وفتح صفحة جديدة لإعادة بناء بلدنا. زيارة الشرع، الأولى لرئيس سوري إلى الولايات المتحدة منذ أكثر من نصف قرن، تحمل دلالات عملية إلى جانب رمزيتها. فهي خطوة نحو الانفتاح الذي طال انتظاره، وتقدّم فرصة للسوريين لتحقيق تنمية حقيقية بعيداً عن الشعارات الجوفاء التي طغت على عقود من سياسات النظام البائد. اليوم، بعد انتصار الثورة وبداية حقبة جديدة في 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، تبدو زيارة الشرع فرصة لإعادة سورية إلى مكانتها الطبيعية جسراً حضارياً في الشرق الأوسط.

من منظور قانوني، تمثّل هذه الزيارة اعترافاً صريحاً من المجتمع الدولي بالمرحلة الانتقالية الجديدة، وتعزيزاً لشرعية القيادة الحالية. كما تعكس استعداد القوى الكبرى لدعم التحول السياسي في سورية، وهو ما تجلّى في رفع جزء من العقوبات الأميركية في مايو/ أيار 2025 ووصف الرئيس الأميركي دونالد ترامب للشرع بـ"القائد الحقيقي". وقد جاء خطاب الرئيس الشرع أمام الجمعية العامة في 24 سبتمبر ليعزز هذا المسار، إذ شدد على أولوية العدالة الانتقالية، وإعادة هيكلة المؤسسات، ورفع العقوبات بشكل كامل، مؤكداً أن سورية الجديدة تكفل حقوق جميع مواطنيها دون استثناء. هذا الخطاب لم يكن مجرد كلمات، بل تعبير عن رؤية واضحة لإعادة إدماج سورية في المجتمع الدولي، وتأكيد أن زمن العزلة قد ولّى.

لكن التحديات أمام الحكومة الانتقالية جسيمة. فالزيارة ليست للصور التذكارية فحسب، بل هي اختبار لقدرة القيادة الجديدة على تقديم رؤية عملية للإصلاح. المطلوب هو خطوات ملموسة لتعزيز استقلالية القضاء، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ العدالة الانتقالية بما يضمن عدم إفلات المجرمين من العقاب. هذه الإجراءات وحدها كفيلة بطمأنة السوريين والمجتمع الدولي بأن حقبة الاستبداد قد انتهت فعلاً.

على الصعيد الاقتصادي، يفتح كسر العزلة الباب أمام فرص هائلة لإعادة الإعمار. غير أن هذه الاستثمارات والمساعدات لن يكون لها أثر حقيقي إذا لم تُدَرْ بشفافية وبآليات رقابية صارمة. كما أن عودة اللاجئين والمهجّرين لن تتحقق من دون بيئة آمنة ومستقرة تتكامل فيها جهود الدولة والمجتمع المدني مع دعم أممي فعّال.

أما البعد الإنساني، فهو لا يقل أهمية عن السياسي والاقتصادي. ملايين السوريين في الداخل والشتات يتطلعون إلى هذه اللحظة التاريخية بأمل كبير، ويشعرون أن تضحياتهم لم تذهب سدى. زيارة الشرع إلى نيويورك وخطابه الأممي رسالة إلى السوريين جميعاً بأن صوتهم وصل، وأنهم جزء من العالم بعد سنوات من العزلة والتهميش.

ختاماً، وبرغم مرور أيام قليلة على الزيارة، ستبقى دلالاتها حاضرة لسنوات مقبلة. أرى في هذه اللحظة بداية عهد جديد يمكن أن يحوّل سورية من دولة منبوذة إلى شريك اقتصادي ودبلوماسي نشط. بصفتنا سوريين، سواء داخل البلاد أو في الشتات، علينا دعم هذا التحول بالمشاركة في إعادة الإعمار، بتقديم الخبرات القانونية والاقتصادية، وبمواصلة الضغط لضمان ترسيخ الحريات. نجاح المرحلة المقبلة لن يكون بفضل الشعارات ولا الصور البروتوكولية، بل عبر بناء دولة حديثة تقوم على العدالة والتنمية والانفتاح الحقيقي.

إن هذه المرحلة التاريخية تتطلب من كل سوري المشاركة بفعالية، سواء في الداخل أو الشتات، لدعم بناء دولة حقيقية تقوم على العدالة والتنمية. بالمثابرة والعمل الجماعي، يمكن تحويل الطموح الذي بدأ اليوم إلى واقع مستدام، يضمن سورية حرة، مستقرة، ومزدهرة للأجيال القادمة.