سؤال الوعي بين الهيمنة واستبطان الهزيمة

08 فبراير 2026
+ الخط -

لا يمكن تناول مسألة تشويه صورة الإنسان العربي بوصفها مجرّد خلل في التمثيل الإعلامي أو انحراف في الخطاب السياسي الغربي، لأن هذا الفهم يبقى أسير السطح، ويتجاهل البنية الأعمق للنزاع. فالقضية في جوهرها ليست كيف يُنظر إلى العربي، بل كيف يُنتَج معنى "العربي" داخل منظومات القوّة والمعرفة، وكيف يُعاد تدوير هذا المعنى حتى يصبح بديهياً، بل أحياناً مُعترفاً به ذاتياً.

من هنا، لا يكون السؤال سؤال شكوى من ظلم الصورة، بل سؤال وعي بشروط تشكّلها واستمرارها. وعليه، فإنّ تشويه صورة العربي ليس حادثة عرضية في التاريخ الحديث، بل هو مسار تراكمي ارتبط منذ بدايات الاحتكاك غير المُتكافئ بين العالم العربي والغرب الليبرالي الحديث. فقد تشكّل هذا التشويه ضمن نظام معرفي كامل، لم يكن الاستشراق فيه جهداً بريئاً لفهم "الآخر"، بقدر ما كان آلية لإعادة إنتاجه باعتباره كياناً (ثابتاً، جامداً، محكوماً بالعاطفة والتقليد)، في مقابل ذات غربية قدّمت نفسها بوصفها معيار العقل والتقدّم، ولم يكن العربي موضوع معرفة فحسب، بل موضوع ضبط وتأويل، تُنتزع منه القدرة على تعريف ذاته، ويُعاد إدراجه داخل سردية لا يملك مفاتيحها.

غير أنّ خطورة هذا المسار لا تكمن فقط في طابعه الخارجي، بل في كونه رافق تحوّلات داخلية عميقة أعادت تشكيل المجال العربي ذاته، فقد شكّل انهيار الإطار السياسي الجامع (الخلافة العثمانية) في مطلع القرن العشرين لحظة انكسار رمزي بقدر ما كان حدثاً جيوسياسياً. 

لم يُستبدل ذلك الإطار بنظام سيادي مُستقل، بل بخريطة مُعاد تصميمها وفق منطق السيطرة، حيث تحوّلت الحدود إلى أدوات تفكيك، والاختلافات الاجتماعية إلى هُويّات سياسية مُتنازعة... وعند هذه اللحظة، لم يعد التشويه فعل تمثيل خارجي فحسب، بل بدأ يتحوّل إلى شرط بنيوي في الواقع العربي نفسه.

في مرحلة ما بعد الاستعمار، لم تختفِ الهيمنة، بل أعادت إنتاج ذاتها بأشكال أكثر تعقيداً

في مرحلة ما بعد الاستعمار، لم تختفِ الهيمنة، بل أعادت إنتاج ذاتها بأشكال أكثر تعقيداً، فالسيطرة لم تعد عسكرية مباشرة، بل اقتصادية وثقافية وسردية، وبرزت القضية الفلسطينية نقطةً كثيفةً تكشف آليات قلب المعنى وتشويه الصورة، حيث أُعيد تعريف الاستعمار بوصفه دفاعاً، والمقاومة بوصفها عنفاً، والضحية بوصفها تهديداً. لم يكن هذا الانقلاب حدثاً استثنائياً، بل نموذجاً تعميمياً أسهم في ترسيخ صورة العربي فاعلاً (عاطفياً، رجعياً، غير عقلاني) يُدرك فقط من خلال منطق الأمن والسيطرة.

وجاءت مرحلة ما بعد 11 سبتمبر لتدفع هذا المسار إلى أقصاه، إذ لم يعد العربي موضوعاً سياسياً يمكن فهمه في سياق تاريخي، بل أصبح هوية مُشتبهاً بها في ذاتها، إذ اختُزلت التناقضات المُعقّدة إلى جوهر ثقافي مزعوم، وأُزيحت الأسئلة المُتعلّقة بالاحتلال والاستبداد والظلم واللامساواة، لتحلّ محلّها سرديات الخوف والإدارة الأمنية. وهنا، لم يعد التشويه بحاجة إلى تبرير معرفي عميق؛ صار يعمل بوصفه افتراضاً مسبقاً.

لكن الاكتفاء بتفكيك هذا البعد الخارجي يبقى ناقصاً، بل ومُضلّلاً، إن لم يُقابل بنقد داخلي صارم. فقد أسهمت البنى السلطوية العربية في إضعاف القدرة على إنتاج قيمة الإنسان الحضاري، عبر تجفيف المجال العام، وإفراغ التعليم من وظيفته النقدية، وتحويل الثقافة إلى أداة تبرير لا مساءلة، والمجتمع المحروم حرية التفكير لا يستطيع الدفاع عن صورته، فضلاً عن تشكيل مستقبله.

أسهمت البنى السلطوية العربية في إضعاف القدرة على إنتاج قيمة الإنسان الحضاري، عبر تجفيف المجال العام

 وفي الوقت نفسه، تخلّى العرب إلى حدٍّ كبير عن مهمة سرد تاريخهم. ومع غياب مشروع معرفي ذاتي، تُرك التاريخ، إمّا للتقديس غير النقدي وإمّا للإنكار العدمي، وفي الحالتين فُقدت القدرة على الفهم المركّب، وسمح هذا الفراغ للروايات الخارجية بتشويه الصورة العربية.

الأخطر من ذلك كان صعود أنماط عنيفة من الفعل السياسي والديني، قطعت الصلة بين الأخلاق والغاية، وبين الهُويّة والعقل، هذه الأنماط، وإن وُلدت في سياقات ظلم حقيقية، إلا أنها قدّمت للعالم أكثر الصور اختزالاً وتشويهاً عن المجتمعات العربية، وساهمت، من حيث لا تدّعي، في تثبيت السرديات التي ادّعت مقاومتها. هنا تتجلّى المفارقة: أن يصبح ادّعاء الدفاع عن الهُويّة سبباً في نزع إنسانيتها.

غير أنّ اللحظة الأكثر حسماً في مسار التشويه لم تكن تلك التي فُرض فيها من الخارج، بل تلك التي استُدمج فيها داخلياً، حين بدأ العربي ينظر إلى ذاته بعيون الآخر، ويُفسّر أزماته بوصفها قدراً ثقافياً، لا نتاج علاقات قوّة وتاريخ متشابك، عند هذه النقطة، لم يعد التشويه خطاباً يُقاوَم، بل وعياً يُعاد إنتاجه تلقائياً.

لم يعد التشويه فعل تمثيل خارجي فحسب، بل بدأ يتحوّل إلى شرط بنيوي في الواقع العربي نفسه

وعليه، لا يمكن أن يكون الخروج من هذا المأزق عبر استعادة خطاب المظلومية، ولا عبر الاحتماء بماضٍ مُتخيّل، ولا عبر ردود فعل انفعالية، الطريق الوحيد المُمكن، إعادة بناء موقع الذات العربية بوصفها ذاتاً واعية، قادرة على السؤال، لا على التبرير؛ وعلى النقد، لا على الشكوى. 

ويتطلّب ذلك استعادة الفعل الحضاري، السياسي والثقافي والأخلاقي، وإنتاج معرفة مستقلّة تُعيد للعرب سيادة حقّ تعريف السردية الذاتية، أي حقّهم في تعريف أنفسهم وتاريخهم ومستقبلهم.

تأتي عملية تشويه صورة الإنسان العربي ضمن سياق الصراع على الوجود في التاريخ، فإمّا أن يكون العربي فاعلاً وحاضراً في إنتاج معناه، وإمّا أن يظلّ موضوعاً في خطاب غيره. والتحدي الراهن لا يقتصر على تصحيح الصورة النمطية، بل يتعداه إلى إعادة بناء حضارة قادرة على التعبير عن نفسها والعمل وفقاً لمصالحها، واستشراف مستقبلها، بمسؤولية تاريخية، لتظلّ جزءاً من التاريخ، لا هامشه.