دمشق ومجلس الأمن: بوابة لتحول جديد في مستقبل سورية

08 ديسمبر 2025
+ الخط -

يبدو وكأنّ مجلس الأمن الدولي نقل مقرّه مؤقّتاً إلى دمشق. فالعاصمة السورية تتحوّل اليوم إلى ما يشبه قاعة اجتماعات دولية مفتوحة، حيث تتحرك الوفود، وتتسارع اللقاءات، وتتنافس العواصم المؤثرة على ترك بصمتها في مستقبل المشهد السوري. جميع القوى الفاعلة حاضرة، بظلّها أو بوسطائها، حتى ليخيّل للمرء أن أعضاء مجلس الأمن اجتمعوا بالفعل في دمشق لمناقشة الملف السوري بنداً بنداً.

لكنّ المهم لا يكمن في المشهد وحده، بل في الدوافع خلف هذا الحضور الدولي غير المسبوق. فزيارة وفد يضمّ جميع أعضاء مجلس الأمن إلى سورية ليست خطوة بروتوكولية؛ إنها رسالة سياسية واضحة بأنّ الملف السوري عاد إلى الواجهة، وأنّ القوى الكبرى أدركت أنّ استمرار الفوضى لم يعد خياراً ممكناً. هناك إدراك دولي متزايد بأنّ التوازنات الإقليمية تتغيّر، وبأنّ النفوذ في سورية لم يعد محصوراً بقوة واحدة، بل أصبح ساحة تداخل معقدة تحتاج إلى إدارة مباشرة لا تقبل الغياب أو التفويض.

تكشف الزيارة أيضاً عن محاولة جادّة لإعادة الإمساك بالملف السوري بعد سنوات من التجاهل، وقد تكون مقدمة لرسم تفاهمات جديدة حول الأمن والاقتصاد وإعادة الإعمار وترتيبات الحكم. فالدول الكبرى ترغب برؤية الواقع على الأرض، وتقيس عبر نبض الشارع السوري مدى استعداد الأطراف لتحمّل متغيرات قادمة، وربما لتأسيس أرضية لمرحلة انتقالية أوسع من مجرد تفاهمات أمنية ضيقة.

زيارة وفد يضمّ جميع أعضاء مجلس الأمن إلى سورية ليست خطوة بروتوكولية؛ إنها رسالة سياسية واضحة بأنّ الملف السوري عاد إلى الواجهة

المدينة نفسها تعيش لحظة سياسية غير مسبوقة: توتر في الشارع، تهافت على المعلومات، وسباق بين القوى المحلية والإقليمية لاقتناص الإشارات. كأنّ كل كلمة تُقال أو حركة تُلتقط ستترجم مباشرة في موازين القوة. في أحيائها تُختبر التفاهمات، وفي شمالها وجنوبها تُقاس حدود النفوذ، وفي خطابها وصمتها تُصاغ ملامح المرحلة المقبلة.

وبمعنى آخر، تكشف التطورات الجارية أنّ الملف السوري خرج من حالة الجمود الطويل، وأنّ دمشق استعادت -ولو مؤقتاً- موقعها كعاصمة تُحدَّد فيها الاتجاهات. لم تعد سورية تنتظر ما تقرره العواصم الكبرى من بعيد؛ فهذه العواصم هي التي تأتي إلى دمشق لتفهم، وتتفاوض، وتعيد حساباتها.

تكشف التطورات الجارية أنّ الملف السوري خرج من حالة الجمود الطويل، وأنّ دمشق استعادت —ولو مؤقتاً— موقعها كعاصمة تُحدَّد فيها الاتجاهات

وتشير القراءة الأوسع لهذا التحول إلى أنّ سورية تُفتح من جديد على العالم. فزيارة بهذا الحجم لا يمكن أن تمرّ كحدث عابر؛ إنها إعلان غير مباشر بأنّ سورية تعود تدريجياً إلى النظام الدولي، وبأنّ القوى الكبرى تستعد لترتيب شكل حضورها في مرحلة مقبلة قد تحمل تغييرات سياسية واقتصادية عميقة.

قد لا يكون الحلّ قريباً، لكن المؤشرات واضحة: سورية تستعيد مقعدها على الطاولة الدولية، وهذه المرة من داخل حدودها، لا عبر صفقات تُعقد على بُعد آلاف الكيلومترات. فدمشق اليوم لم تعد مدينة تتابع العالم؛ بل أصبحت مدينة يتابعها العالم.

وفي خضم هذا الحراك الدولي المكثّف، تبدو الفرصة سانحة أمام السوريين لاستعادة زمام المبادرة من الداخل. فإذا تمكنت الدولة من ردم الهوة بين مكونات المجتمع، وصون حقوق جميع السوريين بلا استثناء، وتعزيز مسار المصالحة الوطنية على أسس العدالة لا الإقصاء، فإنّ البلاد ستكون أمام منعطف تاريخي نحو الاستقرار والانفتاح.

فالوحدة الداخلية هي الشرط الأول كي يأخذ العالم سورية على محمل الجد، بوصفها دولة قادرة على النهوض من تحت الركام، لا كساحة صراع للآخرين. وعندها فقط قد تتغير النظرة الدولية بأكملها، لتتحول سورية من ملف أزمات متلاحقة إلى نموذج تعافٍ سياسي واجتماعي يفتح الباب أمام الاستثمار والإعمار والشراكات التي تعيد البلاد إلى موقعها الطبيعي في المنطقة والعالم.