حقوق النساء في مهبّ التقييد

31 يناير 2026   |  آخر تحديث: 13:39 (توقيت القدس)
+ الخط -

في سورية، تتوالى القرارات والنصوص والمُمارسات الهادفة إلى تقييد حقوق النساء، والتي تستهدف الحياة الشخصية وتُقيّد الحقوق الخاصّة بالنساء، ممّا يسمح بالقول، وبصورة حاسمة وغير مواربة: إنّ حقوق النساء السوريات تجري مصادرتها بالجملة وبالتقسيط من الأفراد، وخاصّة كلّ صاحب سلطة اجتماعية مثل رب العائلة، أو دينية مثل المشايخ، أو صاحب قرار بموقع مسؤولية بدءاً من المعلّم أو مدير المدرسة وصاحب العمل، وصولاً إلى الأشخاص في المناصب الحكومية وصناعة القرار، إذ تجري كلّ التقييدات بتجاهل رسمي واضح يوحي بالموافقة الفعلية، وإن بدت غير مُعلنة، على التلاعب بحقوق النساء وهدرها.

تهدف الممارسات التمييزية الجارية من أطراف غير رسمية إلى لجم النساء والتحكّم بهنّ وبحريّاتهن الشخصية في جو عام من التقبّل لهذه الممارسات، وفي جو رسمي يرغب ضمناً في تعميم هذه الممارسات، لذلك لا يكتفي بالصمت عنها بل يمنحها التبريرات غير المقبولة مثل حقّ الذكور في الوصاية والولاية على حيوات النساء، ومثل الحفاظ على وحدة العائلة وضرورة احترام التراتبية العائلية.

 أمّا القرارات الرسمية الصادرة، مثل التعميم الذي أصدره محافظ مدينة اللاذقية، والمُتعلّق بمنع المكياج بصورة قطعية للعاملات والموظّفات في كافة الوظائف والإدارات والمكاتب ومراكز العمل التابعة للمحافظة تحت طائلة المساءلة، تهدف فعلياً إلى تقييد الحرية الشخصية للنساء، كما تسعى بصورة لا تقبل الشك إلى ضبط حياة النساء وفق قواعد صارمة تنطلق من قناعات المسؤولين أنفسهم، ومن مواقفهم الحقيقية المُعادية لحقوق النساء، في إعلان وممارسة خياراتهن الشخصية مثل اللباس والمكياج وسواها. إنّ المبدأ الأكثر مدعاة للاعتراض على هذه القرارات هو تسويف مبرّراتها بصورة غير منطقية وغير حقيقية مثل ادّعاء الحرص على سير العمل أو ضرورة ضبط الأداء الوظيفي، وكلّها ادّعاءات تحمل في باطنها اتهامات للنساء بعرقلة الأداء الوظيفي والتسبّب في إضرار العمل الحكومي، وهذا يجري كلّه في صيغة تأديبية تقتصر على النساء وتركّز على وجودهنّ في العمل كخطأ تقني ينبغي التحكّم به وضبطه دوماً بتعليمات ولوائح تنفيذية صارمة تمييزية؛ لأنها موجّهة فقط للنساء، وغير عادلة؛ لأنّها تخالف الإعلان الدستوري الذي نصّ على المساواة الكاملة والصريحة بين السوريين والسوريات جميعاً، كما يناقض المواثيق والمعاهدات والاتفاقيات الدولية المُتعلّقة بحقوق الإنسان، وخاصة التي وقعت عليها سورية والمذكورة بصريح العبارة في المادة الثانية عشرة من الإعلان الدستوري لعام 2025.

ادّعاءات تحمل في باطنها اتهامات للنساء بعرقلة الأداء الوظيفي والتسبّب في إضرار العمل الحكومي

من منظور حقوق الإنسان يُعتبر هذا التعميم تمييزاً مُباشراً قائماً على الجنس لكونه يفرض قيداً على فئة محدّدة وهي النساء دون غيرها، ودون سند موضوعي أو مهني مشروع، وبما يمسّ الكرامة الشخصية والحرية الفردية للنساء، كما يقدّم صورة واضحة عن التمييز المؤسّسي بين النساء والرجال في نفس بيئة العمل، كما يمسّ التعميم حقّ النساء في الكرامة الشخصية؛ لأنّه يُخضع النساء للرقابة على أجسادهنّ ومظهرهنّ الخارجي مع التهديد بالعقوبات من دون وجود لوائح عقابية مُعلنة وواضحة، كما أنّ التعميم المذكور يفتقر وعلى نحوٍ صارخ إلى الضرورة والتناسب لأنّه لا يوجد أيّ مبرّر لصدوره كالسلامة المهنية أو حماية الصحة العامة. 

كما أنّه يفشل في تحقيق التناسب، إذ لجأ إلى المنع المُطلق وتحت طائل المُساءلة مع غياب قواعد التنظيم المهني ضمن لوائح محدّدة لشروط العمل، وهذا بحدّ ذاته تعسّفٌ لا يستند إلى حاجة وظيفية حقيقية، تفرضه جهةٌ تعتبر نفسها وصية على النساء من منطلق غير مهني أو قانوني، وإنّما يمكن ربطه بالمنطلق الشرعي.

إنّ التعميم المذكور يسلك نمطاً من الضبط الإداري القائم على تمييز أساسي يستند إلى النوع الاجتماعي (الجندر) ويُعدّ مخالفاً مخالفة صريحة لمعايير حقوق الإنسان المُعترف بها والمنصوص عليها باتفاقات ومواثيق ومعاهدات، والتي وقّعت عليها سورية.

يهدّد التقييد المُتعدّد والمُتجدّد على هيئة قرارات أو تعاميم إدارية رسمية، بالإضافة إلى حالات المنع والردع المُجتمعية المباشرة التي تستهدف وجود النساء في أماكن العمل وفي الحيّز العام، باشتداد التقييد والتضييق على حرية النساء السوريات وتصادر إمكانية تمتعهنّ بحقوقهنّ الأساسية.

سلوى زكزك/ فيسبوك
سلوى زكزك/ فيسبوك
سلوى زكزك
مدونة سورية تقيم في دمشق، تكتب مقالات وتحقيقات صحافية، وصدرت لها ثلاث مجموعات قصصية. تكتب في مواضيع النسوية والجندر وتهتم بقضايا العنف الاجتماعي.
سلوى زكزك