حركة حماس والذهان الديمقراطي
"حماس تفقد حاضنتها الشعبية"، هكذا تحدث العقل المحكوم بذهان الديمقراطية، الذي يقفز بسرعة باستنتاجات مترية (métrique) تهدف لقياس مدى تعبير طرف ما عن إرادة الشعب، انطلاقاً من مسلمة أن موت أي طرف سياسي هو التعبير عن إرادة شعبه، طالما أنه فقد حاضنته الشعبية، مهما كان السياق، ومهما اختلفت الظروف. فالديمقراطية، على قولهم، تسود على كل اعتبار، أو سياق، أو ظرف اجتماعي، أو سياسي. وهكذا يتدخل ما يمكن أن نسميه بـ"الذهان الديمقراطي" في تكوين مثل هذا الاستنتاج المشوّه.
ويقودنا هذا الذهان الديمقراطي إلى طرح مجموعة من التساؤلات: منذ متى كانت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" انعكاساً لإرادة الغزيين؟ وتعبيراً عن الإرادة الجمعية العابرة للحدود، للشعوب المعادية للاحتلال الصهيوني، الناشدة للانعتاق من الهيمنة الإمبريالية؟ هل كانت حماس مستعدة لتحمل آثار وتبعات "طوفان الأقصى"؟
ولكن قد يجيب شخص ما بأن الشعب الغزي نفسه تفاجأ، مثلما تفاجأت جميع الدول والشعوب الأخرى في العالم.
إذاً، هل حماس تعبر فعلاً عن إرادة شعبها؟ إن طرح أسئلة كهذه قد يبدو للكثيرين، وأنا منهم، أسئلة مغلوطة لا يجب الرد عليها أساساً، لأن أسئلة كهذه تنطلق من براديغم ديمقراطي، والإجابة عنها تفتقر لأي فائدة أو جدوى تُذكر.
فلو افترضنا جدلاً أن حماس، بما هي حزب سياسي وحركة مقاومة بالمقام الأول، هي تعبير عن إرادة شعبها، فهنيئاً لها. وهكذا تكون الحركة قد حمت نفسها من تلك الانتقادات، التي تفتقر بطبيعتها إلى أي أساس تيليولوجي. في حين أننا لو افترضنا العكس، فلا يملك المعارضون هنا أي سلطة لتغيير ذلك الواقع، وكما يقول المثل التونسي "برا عرضلها". وهنا بيت القصيد، فحماس تعبر عما هو أبعد من إرادة شعبها، وهو ما يجب أن يكون. فهي، كأي تنظيم سياسي يحترم هدفه الأساسي، ألا وهو التحرر، لها الحق في أن تخلق لشعبها ما يجب أن يريده، فحركة المقاومة هي التي تفتح عيون شعبها على قضاياه الرئيسية، وتجعله يلامس حريته ويريدها عن حق، دون الاكتفاء بشعارات رنانة.
إذ يمكن تقسيم خطابات هؤلاء المعارضين إلى قسمين: الأول يتبنى في خطابه مصطلحات وتعابير الخطاب الصهيوني الرسمي نفسها، فتجده يقفز على هذه التحركات الاجتماعية في القطاع ويحاول استغلالها، بل وتأجيجها من أجل شيطنة الحركة. ومن المعلوم من هي الجهة المستفيدة سواء على الصعيد الداخلي الفلسطيني، والمقصود هنا محمود عباس وحكومته بما يمثله من انعكاس لمنظومة أنتجتها اتفاقية أوسلو. فتراهم يعتمدون خطاباً انهزامياً بامتياز يهدف إلى بث روح الهزيمة النفسية في الحاضنة الشعبية للحركة حتى تجعلهم يفقدون الثقة في قادتهم، وشيئاً فشيئاً يفقدون الإيمان بفعل المقاومة عن طريق تزيين الهزيمة المغلفة بالسلام، ومن ثمة تتحول غزة إلى ضفة غربية جديدة.
والقسم الثاني يعتمد خطاباً ليبرالياً، فتجدهم يطالبون بوقف الحرب، ويضعون كل اللوم على الحركة وكأنها هي السبب الرئيس في مأساة الغزيين، متناسين أن طوفان الأقصى ما هو إلا ردة فعل طبيعية كانت ستحدث عاجلاً أم آجلاً، منادين بتطبيق حلول سلمية ويتذرعون بشعارات حقوق الإنسان.
والقاسم المشترك بين هذين الخطابين هو دفعهم بالقول إن المدنيين يموتون بالآلاف بشكل يومي، مع غياب قدرة المقاومة على حمايتهم، الأمر الذي يرتقي لمحاولة انتحار من حماس أو مقامرة كان محلها هو الشعب الغزي. وقد تصل هذه الانتقادات إلى ذروتها عند القول بأن ما تقوم به حماس هو مجرد مقاومة من أجل الموت لا غير، وبأن المقاومة الحقيقية هي مقاومة من أجل الحياة، ولكن هذه المقاومة لم تجلب للغزاويين إلا الموت والخراب.
على الرغم من وجاهة وصحة بعض تلك الانتقادات فيما يتعلق بتبعات "طوفان الأقصى" من الناحية الإنسانية، فإنه من المستحيل نكران أن هذا العامل يدخل في إطار المعادلة النقدية لحماس، ولكنه نقد مقترن بالعاطفة. فإلى أي مدى يستطيع هؤلاء أن يحاكموا تنظيماً مسلحاً قائماً على فعل المقاومة، بما هو فعل أخلاقي وسياسي في الوقت نفسه؟ وهنا يتجلى ديالكتيك جمع الأخلاق بالسياسة، الذي يفضي إلى مربع الديمقراطية الذي تحدثنا عنه سابقاً.
ويمكن الرد على ذلك بأن حركة المقاومة الإسلامية "حماس" هي حركة جد متطورة من الناحية التنظيمية والسياسية، وكذلك الاستراتيجية. إنها متطورة جداً لدرجة أنها لا تسير بسرعة وعي شعبها نفسه، ولا حتى وعي جمهور مناهضي الاحتلال الصهيوني حول العالم. والدليل على ذلك أنها لَمّت شمل جميع التيارات التقدمية بمختلف انتماءاتها الأيديولوجية، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، موحدة جميع مكونات الطيف السياسي، خاصة أولئك المعارضين لأي فصيل إخواني، قبل أن تتغير المعادلة بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول.
الحقيقة أن حماس تفرض الأمر الواقع ولديها أسبابها، ولا تزال تهيمن وتقود الصراع. وواهم من يتخيل أن هذه "الانتفاضة الشعبية"، أو مجيء ترامب على سدة الرئاسة ومخططه التهجيري، سيقضي على حماس والمقاومة المسلحة ككل. فصحيح أن الفاتورة التي دفعتها الحركة كانت غالية جداً، خاصة بعد استشهاد جميع العقول المدبرة لـ"طوفان الأقصى"، وأن الشعب الغزي يشارك هو بدوره في دفع هذه الفاتورة الغالية. ولكن لا يجب لكل هذه الخسائر أن تنسينا أن خيار المقاومة، بطبعه، خيار غالٍ. فما يمكن أن نسميه "الإجماع التاريخي" يؤكد لنا أن الثورات والانتصارات الثورية لا تُقاد بالقرنفل، وإنما بسفح الدماء والتضحيات، وبذل الغالي والنفيس في سبيل التحرر.
ونكتفي نحن، الذين لم تختلط دماؤنا بدماء الغزيين، بالمراقبة من بعيد، دون إمكانية الحكم على وجاهة أو زيف تلك الاحتجاجات. ولكن في الأخير، يمكننا القول بأن ما حدث يوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول وما بعده هو ضرورة كان لا بد من تحقيقها. فمقياس شرعية الأحداث لا يُؤخذ من الشرعية الشعبية، وإنما عن طريق الشرعية التاريخية، التي تؤكد صحة استراتيجية حماس، دون امتلاك معارضي هذه الاستراتيجية أدنى سلطة لتقويضها. إذ لا يمكن محاربتها بالنقد الديمقراطي، وإنما يجب أن تكون ندًا أولًا، أو قم باستخلاص الدروس في صمت.