جدلية المكان والحرية
سلوى زكزك
للانفصال عن المكان عند النساء قصّة خاصة. والمكان هنا غير محدّد؛ بيت الأهل؛ غرفة صغيرة مُستأجرة؛ مركز لحماية النساء ولو كان مؤقّتاً؛ مأوى لكبيرات السن؛ بيت موهوب من قبل صديق أو قريب... والنتيجة أمكنةٌ مستحيلةٌ واغتراب عاطفي ونفسي وجسدي يتعمّق مع المكان الوحيد المُتاح، وهو بيت الزوجية. وبيت الزوجية هنا يعني، حكماً، ملكية الزوج أو بيت مُستأجّر باسم الزوج.
تُرافق مها والدها في رحلة البحث عن منزل لأخيها الذي سيتزوّج قريباً. يصرُّ والدها على شراء بيت جميل ومريح لابنه الذي قرّر الزواج. تضيق كلّ جدران البيوت التي زارتها مها مع والدها، تُطبق على صدرها وتمنعها من الصراخ في وجه والدها المُقتدر. في أعماقها ضجيج صاخب مُمتلئ بالألم والغضب، هي تريد بيتاً أيضاً، بيتاً صغيراً؛ غرفة وصالة ومطبخ وحمام. في مخيّلتها بيتٌ صغيٌر ومتواضع في حي شعبي، لكنه مرتبط بحرّيتها مع طفلتها الصغيرة. كلّ ما تريده مأوىً بلا شروط وبمواصفات أقلّ من عادية، ومع هذا، كلّما أصرّت على ضرورة تملّك مكان مستقل، تحوّل هذا الإصرار إلى خيبةٍ عظيمة.
واجهت والدها برغبتها. قالت له بصوتٍ مرتجف: أنا أيضاً أريد بيتاً يا أبي. لجأت إلى بيتك عشرات المرّات، ودائماً كنتَ تردّني خائبة، مرّة بمبلغ صغير تدسه في جيب ابنتي وكأنّه رشوة لأصمت؛ ومرّة بوعيد وتهديد، مع تحميلي مسؤولية شرخ عائلتي وحرمان طفلتي من أبيها؛ ومرّة بعبارات قصيرة، قاهرة، متوحّشة ترميها أمي في وجهي بعد اتفاق معك عليها (هذا خيارك أنت من أصريت على الزواج به رغم رفضنا المُتكرّر).
كلّما أصرّت على ضرورة تملّك مكان مستقل كلّما تحوّل هذا الإصرار إلى خيبةٍ عظيمة
بات المكان حلاً لكلّ مشاكل مها؛ توقفٌ للعنف الجسدي واللفظي والنفسي الذي يمارسه زوجها عليها وعلى طفلتها، مساحةٌ آمنةٌ من الكوابيس اليومية، مساحة خالية من الاضطرار للتبرير وجداول التحقيق بأسئلة مباشرة أو غير مباشرة، أو عبر حشر الطفلة في خانة الاستنطاق لتثبيت الاتهامات نحو الأم، مساحة محمية من الغرق في مسرحية هزلية لإضفاء الرضا المُبتذل على وأد الحرية والتقييد المستمر والمطالبة القسرية بالحبّ أو بالتعبير عنه، وكأنّ الحبّ غرضاً يُشترى ليُمنح جائزةَ ترضية للزوج المُنتهِك، فقط لأنّه لا يسعى إلى الطلاق، ويدّعي أنّه مُتمسّك بعائلته، وكأنّ التمسّك هو فقط الاحتفاظ بالعائلة في المنزل وعلى خانة دفتر العائلة. احتفاظ هو فعلياً احتجازٌ سافٌر.
بالنسبة لغالبية النساء، يرتبط المكان بالحرية أولاً، وكأنّه عبر عقود ٍطويلة من الإلزام القسري بأمكنة وجود الرجال بذريعة الحماية أو الانتماء، أو بذريعة عجز النساء عن العيش بمفردهن، عاطفياً وخدمياً. تختزن النساء الرغبة العارمة بمكانٍ خاص وكأنّه سرٌ ينبغي التكتّم عليه خوفاً من الاتهامات. كما يتلاعب السحر بمخيّلات النساء ليجعل من أسرارهن مساحة مُمكنة، ولو في الخيال. يفقد المكان قوّة الاحتياج، لأنّ الاحتياج هنا ملازمٌ لوجود الرجل مهما كان عنيفاً ومُتسلّطاً ومُصادراً لمعنى الحرية، بتحالف وثيق بين السلطة العائلية والأحلام الرومانسية يجرى إجهاض ارتباط المكان بالنساء وحدهن. المكان هو انعكاس لقوّة العائلة، للسلطة الذكورية، لدرجةٍ أنّ أولّ سؤال يُسأل للأرملة بعد موت زوجها: ما بتخافي تنامي لحالك؟ هنا يتحوّل وجود الرجال إلى عنصر حماية حتى للجدران والبيوت، وتتحوّل حماية النساء إلى جزء إجباري من تفاصيل حماية المكان، وكأنّه تحصيل حاصل لمعنى وجودهن وكأنّهن أحد عناصر المكان وليس كينونة مستقلة.
يرتبط بالمكان بمنطق السلطة عند الرجال، لكنه بالنسبة للنساء هو مرتبط، حكماً، بالحرية
في الحكاية الشامية تفصيلٌ معلنٌ بات عرفاً للسوريات المتزوّجات من رجال غير سوريين، وهو أنّ جُلّ ما تصبو إليه الزوجة الشامية بيتٌ في الشام. يتحوّل المكان هنا إلى مجموعة متكاملة من المعنى العام للأمان والسلطة والجاه، حتى لو عادت إلى هذا البيت أرملة أو مطلّقة.
يرتبط بالمكان بمنطق السلطة عند الرجال، لكنه بالنسبة للنساء هو مرتبط، حكماً، بالحرية. وعلى عتبات تلك الحرية المشتهاة أو المُغيّبة تضيع الحقوق والكرامة.