ترامب هيأ المسرح على هيئته

14 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 13:25 (توقيت القدس)
+ الخط -

بعد عامين من استباحة الحُرُمات، وإبادة البلاد، وقتل العباد، واندثار المدن، والتجويع، والنار والدمار، وفي زمن تتنازعه العواصف السياسية ويضطرب فيه ميزان الحقيقة بين ما يُقال وما يُراد، ظهر دونالد ترامب ليس مجرّدَ رئيسٍ للولايات المتحدة فحسب، بل بوصفه ظاهرة سياسية وثقافية أثارت جدلاً لا يخبو صداه. وجاءت خطته وسيلةً لنسج سلامٍ مضطرب بين أطرافٍ متنازعة، تحاول التوفيق بين حلم وقفٍ شامل لإطلاق النار، وبين ضغوط القوى الدولية ومطالب الطرفين المتعارضة.

قيل إن الخطة تهدف إلى وقف الإبادة، لكنّها تحمل في جنباتها خرائط استسلام لا صلح، هدنة ملوَّثة، استراحة للموت، وتصفيّة ذكية للحرب تُعاد صياغتها في شكل أكثر قبولاً على شاشات العالم. يريدون وقفاً فورياً لإطلاق النار وتبادلاً للأسرى والمختطفين. يريدون إعماراً مشروطاً يرمّم الحجر ويترك البشر أرقاماً في جداول التمويل، كما يريدون حكماً بلا لونٍ ولا هويةٍ ولا انتماء، إدارةً فنيةً لأزمةٍ تمرّ عبر العواصف الإعلامية حتى تهدأ العاصفة العامة.

هدنة ملوَّثة، استراحة للموت، وتصفيّة ذكية للحرب تُعاد صياغتها في شكل أكثر قبولاً على شاشات العالم

والأشدّ ضراوةً أن يُطلب ممن دفنوا أبناءهم بأيديهم أن يوقّعوا وثيقة تُشرعن موتهم. يريدون أيضاً أن يتحوّل الحق إلى بند تفاوضيّ، وأن يُباع الدم في مزاد السياسة. وعلى بعد أيامٍ قلائل سنكون أمام نقطة انعطاف مفصلية، أو على الأرجح أمام ما يُسمّى بـ"الخطة الترامبية" لتحقيق "عملية السلام".

تظهر آمال تحقيق السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين في عالمٍ محتضرٍ معلقٍ بين الحياة والموت. أشعر بالوجوم كلما سمعت عبارة "تجديد عملية السلام"، فالرصاصة أحياناً تأتي على هيئة قلم. تحت مسمى الصفقات يعيش الفلسطينيون سلسلة من النكبات والانتكاسات المتلاحقة منذ أكثر من رُبع قرن، وما زالت متواصلة بأحداثٍ نكبوية لا متناهية.

تتجلّى ملامح الخطة في النقاط التالية:

  1. وقفٌ فوري لإطلاق النار، مع تبادل للأسرى والمخطوفين خلال 72 ساعة من قبول إسرائيل العلني بالخطة.
  2. إعادة إعمار قطاع غزّة بدعم دولي، وتخفيف المعاناة، وفك الحصار لضمان تدفّق المساعدات دون عوائق.
  3. حكمٌ تقني مؤقت لإدارة الأمور اليومية في القطاع، مع إشراف دولي أو ما يسمى بـ"مجلس السّلام" أو هيئة إشراف دولية، وتفكيك للأسلحة، واشتراطات أمنية لا تحتمل الخرق أو التأجيل.
  4. انسحاب إسرائيلي تدريجي من الأراضي التي ما زالت محتلة، مع الاحتفاظ بمنطقة أمن أو محيط حماية وفق ما تقتضيه ظروف مرحلة ما بعد الحرب.

ثمة مخاوف كثيرة من التهافت الدولي ولعبة المصالح؛ دولٌ رحّبت، وأخرى حذّرت من أن تكون الخطة بوابةً لترسيخ الاحتلال الأمني أو السياسي، أو للتدخل الخارجي في خصوصيات القضية الفلسطينية. الجدير بالذكر أن المجتمع الدولي في عام 1948 أنشأ مؤسسةً عالميةً لحفظ السلام والأمن ورعاية حقوق الإنسان على أعقاب الحرب العالمية الثانية، أُطلِق عليها "هيئة الأمم المتحدة". ورغم إصدارها قرارات تُدين أفعال عصاباتٍ صهيونية ضد الشعب الفلسطيني، فإنّ هذه القرارات (منها 194، 237، 271، 242) لم تُنفّذ بالشكل المطلوب بسبب هيمنة دولٍ مساندةٍ للحركة الصهيونية، وأبرزها الولايات المتحدة الأميركية التي وقفت إلى جانب المطالب الصهيونية المزعومة في فلسطين.

ولم تكتفِ الولايات المتحدة بمواقفها تلك، بل مكّنت الحركة الصهيونية على حساب الفلسطينيين وحقوقهم الوطنية، ومنحتهم ما تبقّى من أرض فلسطين لتوسيع سيطرتهم الاستعمارية، معتبرةً فلسطين مشروعَ استثمارٍ اقتصاديٍ يمكن منحه لمن تشاء، في ظل تقاعسٍ من أنظمة عربية تهيمن عليها رغباتٌ صهيوأميركية تدعم تلك العصابات التي باتت تفرض غطرستها.

عاش الفلسطينيون أهوالاً عظيمة وما زالوا يعانون؛ فهم أبناء وعدٍ تشهد عليه الذاكرة التاريخية بتقسيم أرضهم: "وعد بلفور" الذي منح من لا يملك ما لا يستحق. وأبناء اليوم هم شهودٌ على ترجمة وعدٍ أسود جديدٍ، ما يسميه البعض "وعد ترامب"، الذي يعيد توزيع ما تبقّى للفلسطينيين من فلسطين التاريخية، وقد لا يتجاوز نصيبهم منها نحو عشرين بالمئة من مساحتها الأصلية. لا بدّ أن نعلم أن كل ما يحدث لم يأتِ صدفةً، بل وفق ترتيبٍ ممنهجٍ بدأ منذ ترويض المنطقة بعد اندلاع النكبة وما تلاها من نكباتٍ متوالية حتى آخرها بتبنّي مثل هذه الصفاقة.

الخلاصة أنّ الخطة لم تُقدّم لحظةَ إنصافٍ ولا حلّاً جذرياً؛ بل جاءت لإنهاء القضية بأناقةٍ سياسية، وللتخلص من "ملف غزّة" نهائياً، ليس عبر العدالة، بل عبر الابتلاع التدريجي خطوةً بخطوة. وستبقى المسألة على حالها ما دامت الرواية لا تُحفظ، والعدالة لا تُستعاد، والحقوق لا تُردّ لأصحابها.

دلالات