تأثير المنصات الرقميّة على حياة الغزّيين خلال الحرب

31 أكتوبر 2025
+ الخط -

منذ بداية الحرب، سعت إسرائيل إلى قطع التواصل بين غزّة والعالم الخارجي، وذلك من خلال استهدافها للبنية التحتيّة الرقميّة بشكلٍ متعمّد، مما جعل الإنترنت وسيلة حياة أساسيّة للغزّيين، من تعليم إلكتروني إلى معاملات ماليّة. سكان القطاع بغالبيّتهم العظمى كانوا يعتمدون على التطبيقات البنكيّة لشراء احتياجاتهم العائلية، لكنّ انقطاع الإنترنت جعلهم عاجزين حتى عن شراء الحليب لأطفالهم.

وعلى الرغم من كُلّ محاولات العزل التي كانت تختلقها إسرائيل، تمكّن الغزّيون من تحويل الإنترنت من أداة للتواصل مع العالم الخارجي إلى أداة مقاومة، من خلال منصات التواصل الاجتماعي مثل تليغرام، تويتر، وإنستغرام. تمكنوا من نشر صور وفيديوهات توثق الانتهاكات والمعاناة، ويصرّون على إيصال الحقيقة إلى العالم، مما جذب انتباه العالم إلى معاناتهم. باتت كُلّ تغريدة، كُلّ منشور، وكُلّ بث مباشر بمثابةِ صرخة رقميّة تتحدى الحرب وتكشف زيف الرواية القمعيّة. فهذه المنصات كانت ساحة لتبادل المعلومات والمشاعر، حيث كانت المناقشات تميل إلى الاستقطاب، مع محاولات من جميع الأطراف للتأثير على الرأي العام.

حين تُقطع الإنترنت عن غزّة، تُقطع أنفاس الناس معها، ويُقطع معها العالم، ويغدو الصمت أكثر قتامة، وسكانها أشبه بالجنود المحاصرين بين الجدران، والأصدقاء والأهل مجرد صور متجمدة على الشاشات. كُلّ رسالة غير مُرسلة، وكُلّ اتصال يُحجب، يصبح جزءًا من الحصار الصامت. وفي كُلّ لحظة انقطاع، يتحول الهاتف إلى تذكيرٍ بقسوة الحرب، وبأنّ الحياة نفسها مُعرضة للتوقف في أيّ لحظة.

على الرغم من أهميتها الكبيرة في حياة الغزيّ اليومية، إلا أنها تُعد أداة خفيّة للحرب، وسلاحًا رقيقًا وخطيرًا. فالتقنيات الرقميّة هنا أشد تأثيرًا من القنابل. برامج التتبع، الهجمات الإلكترونية، وحتى الحسابات المزيفة تُستخدم لزرع الفوضى، نشر الذعر بين المدنيين، تحديد المواقع، تعقب الأفراد، وللتلاعب بالمعلومات. في خضم الحرب، أصبحت الإنترنت ساحة معركة. استخدمت إسرائيل تقنيات متقدمة، مثل الذكاء الاصطناعي، لاستهداف المدنيين. نظام "أين أبي؟" على سبيل المثال، كان يُستخدم لتحديد مواقع الأفراد وتنفيذ عمليات استهداف دقيقة. في المقابل، شنّ مؤيدو فلسطين هجمات إلكترونيّة على مواقع إسرائيلية، بما في ذلك هجمات DDoS وتخريب مواقع إلكترونية، للتأثير على الرواية الإعلاميّة. وفي الوقت ذاته، الغزّيون في مواجهة هذه الحرب الرقميّة يُبدعون في المقاومة، ينشرون الأدلة، يحولون الشاشات إلى نوافذ على الحقيقة، ويجعلون العالم يواجه ما يحدث رغم محاولات إسكاتهم، وعلى الرغم من كونها بوابة للبقاء والفقدان.

في غزة، الإنترنت باتت سلاحًا فعالًا، بحيث اختلط الألم بالأمل، والضغط بالتحرر، والخوف بالإصرار. كُلّ رسالة تُرسل، كُلّ صورة تُنشر، كُلّ بث مباشر يُقام، هو جزء من حربٍ لا تُرى، لكنّها تُحس. حرب الصمود والوعي والمقاومة في قلب الحصار والدمار. الإنترنت هنا ليست مجرد وسيلة، بل تجربة الحرب نفسها، حادة، قاسية، ومؤثرة حتى العظم. الغزّيون نجحوا في تحويل المنصّة الرقميّة إلى منصة مقاومة، حيث الكلمات والفيديوهات والصور باتت رصاصةً ضد محاولات الإخفاء والتعتيم. الإنترنت هنا صارت ساحة صراع حقيقي: صراع الوعي، صراع الذاكرة، صراع الحقائق ضد محاولات الطمس. كلّ مشاركة، كُلّ بث مباشر، هو إعلان أنّ غزّة لم تُقتل بعد، وأنّ صوتها سيظل يُسمع مهما حاولوا إسكاتها.