بلا عنوان يُذكر
دخلت على عجل وشعور بالاختناق يحتلّ أوتارها. لم تمتلك الوقت الكافي كي تفهم ما حدث. أطبقت على وجهها بيدها اليمنى، وبكت. ما الذي حصل للتّو؟ لماذا أصابها ذلك الموقف الغريب، عند حافَة المساء؟ لمَ، كلّ ما يُثير الريبة لا يجري الّا عند تلك البقعة بالذّات؟ أيّ لعنة مُنيَ بها ذلك الشارع الأرعن؟
هاتفها لم يتوقّف عن الاهتزاز منذ وصولها. أرقام وأسماء تتداخل في فورة تنبيهات لامتناهيَة. وصمت مطبق لا مجال لاختراقه. أيشعر من نُحبّهم بحماقاتنا، لذا يغدقوننا بالاتّصالات فور وقوعها، حتّى بعد أشهر من الصّمت والابتعاد؟
هذا ما يبدو. لكنّها كالعادة، لم ترد. تركت القلقين لقلقهم، والفضوليين لفضولهم، والمُثرثرين للصمت.
مثل كلّ مرّة. لوم النّفس كان سيّد ليلتها. يحتلّها بعباءته المعهودة الّتي تغلّف الذكرى بذلك اللون الأسود السمج. هل كان أنْ لا بدّ من أن تقبل الدعوى؟ بالطبع لا. إنّها المُعضلة نفسها كلّما أرادت الخروج من قوقعتها: تفكيرٌ مفرط ينتهي باتّخاذ القرار الخاطئ. فالانطوائيّون مثلها قلّما يحترفون شيئًا غير الشعور بالذنب. إن حافظوا على وحدتهم غرقوا، وإن فرّطوا فيها اشتاقوا إليها، مثل وهمٍ وهمٍّ يتعاقدان على الالتفاف حول عنقها. ما الذي كان سيجري لو بقيت في سريرها، مع كتابها والحيرة والموسيقى؟ لما عرفت على الأقلّ، أنّ الأطياف الّتي تصادفها من دون أن تلقي لها بالًا، تستحقّ المواجهة. لما عرفت أيضًا، أنّها لن تكون الشخص نفسه في اليوم التالي عندما تراهم في مواقف الحياة العادية، حيث لا قفازات ولا أقنعة. لما عرفت كذلك أنّ للسحر مذاهب غريبة، لا تأتي إلّا بفرط العبث.
إن حافظوا على وحدتهم غرقوا، وإن فرّطوا فيها اشتاقوا
كلّ ذلك راح يدور في فلكها ويزيد من وطأة صداعها أكثر فأكثر. كيف تكون الأرواح الّتي نعاشرها عندما نمارس ألاعيب الجلسات الفوضويّة؟ هل نكون أنفسنا، أم كائنات نصطنعها كي نتماهى معهم، ونتباهى بحمق الواقع؟ الخطأ الأكبر على من يقع؟ عليها…عليها وحدها.
كرّرت هذا العبارة وهي تنتظر أن تفور القهوة. قلّبتها مرّتين، مثلما قلَبَت شفتيها عندما تذكّرت الصورة. "اللعنة"، كيف؟ متى تجتاز الأحداث سطحيّتها وتصبح ثقيلة إلى هذا الحد؟ متى ينتقل "العاديّ" إلى ملفّات الذاكرة المنبوذة؟ متى نحترق، فوق جليدنا الأكثر برودة؟ متى، وكيف؟
بالتأكيد لم يكن ينقصها هذا الأمر كي تُفكّر فيه. فحواسها بأسرها مُشتّتة أصلًا، والكتابة تخونها بالطريقة نفسها الّتي رأت فيها خيانتهم، وحكمت عليها. أطفأت النّار تحت القهوة، وسكبتها ببطء. كاذبٌ من يقول إنّ القهوة ليلًا هي الّتي تُبقيك متيقظًا. فالقهوة لا تستطيع إلّا أن تكون جليسًا صامتًا. جليس أجل، يبادر بلذعة تترك الأمور تمضي، ورائحة تُنسيك كلّ شيء. لطالما تكرّر أمامها أنّ "نصف طعم القهوة يكمن بمن يشاركك إيّاها"، إلّا أنّها قد أيقنت مع الوقت، أنّ المتطفّلين على هذه الجلسة الثنائية يفسدون قدسيتها، وقلّما يضيفون عليها بقدر ما يسرقون منها. يسرقون ذلك المضي الهادئ الّذي أنساها للحظة ولو طفيفة، رسالة صاحب البيت المرميّة على السرير، وتهديداته بالطّرد المتكرّرة، وتلك المساحة الخانقة للتسعة أمتار الّتي تشكّل بيتها، وتخطّيها إيّاها بمساحة مقترضة من صاحب الضياع… واللعنة.
ها هي الآن، تجلس بين رائحة القهوة وارتجافات مكان، قيل لها أنّها "مرحّبة فيه". العتمة لا تشبه نفسها فيه، بل تكاد تنافس كوابيس السلام عندما تنحني. عتمة، أسوأ ما فيها أنّها "روح البلاد"، الّتي تنعب بالعالم تدميرًا وعجرفة. عتمة، تقول في ولاية أخرى إنّها تفضّلك "ميتًا على ألّا تكون حرًّا"، في حين تستعبد ألوانك الداكنة بكلّ الطرق المُمكنة، والإذلال المتخيّل. هناك حيث البياض يرتكب الاغتيالات الاعتباطيّة الّتي تُنَكّس لها الأعلام، ويلبس جلود الأطفال وأنفاسهم الّتي لم يأبهوا بها يومًا، في ربطات عنقهم الملوّنة.
الأرواح التي تنهكها الوحدة، عادةً ما تتغذّى على الأوهام
لقد دخّنوا البارحة فوق جثّة أحد المتمرّدين. رأتهم بوضوح بعد أنّ جنّ جنونها تحت كلّ ذلك العبث. رأتهم يتبادلون الفقد بعيون لا يشوبها أيّ انتقام. مؤكّدٌ أنّها كانت تمتلك داخلها انتقامًا يفوقهم، بالرغم من أنّ قضيّتهم أحقّ، ومعاناتهم أعمق، وتاريخهم راسخ في ذلك الجسد المُتعفّن. هي، صفعت الغضب عندما قادها إلى اللاعودة، بينما لم يقوموا إلا بتلويث مرمدة أو اثنتين، قبل أن ينضمّوا إلى موكب النعوش اللامتناهي.
بخار القهوة لبس أنفاسهم. هل حدث كلّ ذلك بالفعل، أم أنّ عقلها هو الذي يفتعل لها وقائع كي يُبقيها أسيرة؟ فالأرواح التي تنهكها الوحدة، عادةً ما تتغذّى على الأوهام. تساءلت في سرّها: لو أنّها ردَّت على أحد الاتصالات، وحكت ما حصل، هل كان المُستمع ليصدّقها؟ أم سيضحك على سذاجتها؟ هل كانت هي نفسها لتصدّق لو سمعت قصّة كهذه من غيرها؟
هي تعرفه. ظلّ بائس يرافق ما لا يستطيع تناسيه. وها هو الآن، يزاحمها مرّة أخرى، يذكّرها أنّها لم، ولن تفلت منه يومًا…