النظام الدولي: القوة العارية ومخاض التحوّل القسري
لم يكن نابليون بونابرت في مطلع القرن التاسع عشر مجرّد فاعل سياسي داخل النظام الأوروبي، بل مثّل قوة استثنائية أسهمت في تفكيك أسس النظام التقليدية وإعادة تشكيله جذرياً؛ إذ كانت أوروبا ما قبل نابليون محكومة بتوازنات ملكية هشّة تُدار فيها الصراعات من دون حسم، وتُرحَّل الإصلاحات البنيوية باسم الاستقرار.
لقد جاءت الحروب النابليونية، خارج منطق التوافقات والشرعنة الأخلاقية، لتفرض على القارة إعادة تعريف مفاهيم الدولة والقوّة والحدود، وعلى الرغم من هزيمة نابليون العسكرية، تمثّل أثره البنيوي في تمهيد الطريق لقيام نظام أوروبي جديد بتوازنات مختلفة، وهي تحوّلات لم يكن بالإمكان إنجازها عبر الإصلاح التدريجي.
ضمن هذا السياق، يمكن النظر إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب بوصفه تعبيراً عن لحظة انسداد مشابهة داخل النظام الدولي، حيث يعجز هذا النظام عن تجديد ذاته من الداخل، فتبرز صدمات سياسية تفكيكية، لا تحمل بالضرورة مشروعاً إصلاحياً مُتكاملاً، لكنها تُجبر النظام القائم على التحوّل وإعادة التشكّل.
مؤشّرات على أفول نظام ما بعد 1945م، ودخول العالم مرحلة سيولة استراتيجية أساسها القوّة العارية عوضاً عن القواعد البالية
ولا يبدو ما يشهده العالم اليوم مجرّد اضطراب دوري في بنية النظام الدولي، بل أقرب إلى لحظة تقهقر تاريخي حادّ لنظام عاش طويلاً على إدارة الأزمات وتأجيل استحقاقات الإصلاح. فالضجيج السياسي وفوضى اللغة الفظّة وانهيار الأعراف الدبلوماسية، ليست أعراضاً عابرة، بل مؤشّرات على أفول نظام ما بعد 1945، ودخول العالم مرحلة سيولة استراتيجية أساسها القوّة العارية عوضاً عن القواعد البالية.
ومن الصعوبة فهم الظاهرة الترامبية بوصفها انحرافاً شخصياً أو حادثاً طارئاً، بل باعتبارها تعبيراً بارزاً عن تناقضات بنيوية داخل النظام الليبرالي الغربي الدولي نفسه. فالرئيس الأميركي ترامب لم يهدم نظاماً مُتماسكاً، بل كشف ضعفه وعورته؛ ولم يخلق ازدواجية المعايير، بل نزع عنها الأقنعة الأخلاقية... وهنا تتجلّى فكرة الفيلسوف الألماني فريدريش هيغل في الجدلية التاريخية: لا يتغيّر التاريخ عبر المواعظ، بل عبر شخصيات عنيفة تدفع تناقضات النظام الدولي المُتراكمة إلى حدودها القصوى، فتُجبر البنى القديمة على الاعتراف بفشلها.
لقد بُني النظام الدولي بعد 1945 على معادلة واضحة: قيادة أميركية، مظلّة أمنية أطلسية، مؤسسات دولية تضبط الصراع، وخطاب قيمي يمنح الشرعية، غير أنّ هذه المعادلة بدأت تتآكل منذ سنوات طويلة، إلى أن جاءت الصدمة "الترامبية" لتسقط آخر أوهام الاستقرار، فحين يصرّح رئيس الولايات المتحدة بأنّ "أخلاقه الشخصية" هي القيد الوحيد على استخدام القوّة، وحين يُعاد تعريف القانون الدولي بوصفه أداة انتقائية، فإننا لا نكون أمام أزمة قيادة، بل أمام أزمة نظام عالمي.
لم يهدم ترامب نظاماً متماسكاً، بل كشف ضعفه وعورته
لقد كشفت أوروبا اليوم عن ضعفها البنيوي أكثر مما انكشف حقيقة خلافها الظاهر مع واشنطن، فالقارة التي طالما تحدّثت باسم "النظام القائم على القواعد" وجدت نفسها عاجزة عن الدفاع عنه حين اختُبر فعلياً، سواء في غزّة أو أوكرانيا أو في مواجهة الغطرسة الأميركية تجاه حلفائها أنفسهم.
وتصريحات القادة الأوروبيين في دافوس، لا تعبّر فقط عن قلق سياسي، بل عن إدراك متأخّر بأن أوروبا بنت مشروعاً جيوسياساً بلا أدوات قوّة مستقلة، وربطت أمنها الاستراتيجي بإرادة أميركية لم تعد مضمونة.
وهنا تبرز أزمة حلف شمال الأطلسي بوصفها أزمة وظيفة لا أزمة وجود، فهو لم يُصمَّم ليكون إطاراً متكافئاً، بل أداة قيادة أميركية لأوروبا، ومع تراجع الثقة في واشنطن، يتحوّل الحلف من مظلّة أمان إلى عبء سياسي، ولا سيما في ظلّ حرب أوكرانيا، حيث تتزايد الكلفة الأوروبية بينما تُدار الحرب وفق حسابات أميركية أوسع تتجاوز القارة.
وقضية غرينلاند، بما تحمله من رمزية استعمارية فجّة، تكثّف هذا التوتّر، وتطرح لأوّل مرّة سؤالاً جدياً حول حدود التبعية الأوروبية منذ منتصف القرن الماضي.
أما الصين، فتتحرّك في هذا المشهد بمنطق مختلف، فهي قوّة صاعدة تتعامل بمنطق الزمن الطويل، ولا تشبه القوّة الأوروبية العاجزة ولا النهج الأميركي الصادم، لكن سياسات الصدمة الأميركية عجّلت بتحرّك بكين، خاصة مع اتجاه أوروبا، وإن بحذر، نحو تنويع شراكاتها الاقتصادية شرقاً، ومع ذلك، تبقى الصين مُتردّدة في ملء الفراغ القيادي العالمي، موازنة بين قوّتها الاقتصادية الهائلة وحذرها السياسي الذي يقيّد تقديم نموذج بديل مُكتمل.
في المقابل، تجسّد السياسات الأميركية تجاه إيران وأميركا اللاتينية منطق القوّة الخام، ومحاولة إعادة إنتاج الهيمنة عبر الوسائل الاقتصادية والعسكرية الإكراهية، لكن هذا النهج، بدلاً من تعزيز القوّة الأميركية، يدفع الخصوم والحلفاء على السواء نحو البحث عن بدائل، عبر تحالفات إقليمية، أو شراكات مع الصين، أو صيغ للاستقلال النسبي، ما يساهم في تآكل شرعيتها الدولية.
ربطت أوروبا أمنها الاستراتيجي بإرادة أميركية لم تعد مضمونة
من هذه الزاوية، تبدو مقولة أنطونيو غرامشي "العالم القديم يحتضر، والعالم الجديد لم يولد بعد" توصيفاً دقيقاً للحظة الراهنة، فنحن نعيش فراغاً بين نظامين، نظام فقد مقوّمات استمراره، وآخر لم يتشكّل بعد، وفي هذا الفراغ تتصاعد ممارسات القوّة العارية وتهميش القانون الدولي، وتحويل العلاقات الدولية إلى ساحة صراع مفتوحة.
إنّ مستقبل النظام الدولي لن يُحسم عبر الخطابات الأخلاقية أو بيانات القمم، بل عبر صراع ممتدّ بين قوى سائدة تفقد شرعيتها، وقوى صاعدة لم تحدّد بعد شكل قيادتها، أما التحالف الأميركي-الأوروبي وحلف شمال الأطلسي تحديداً، فهما أمام مُفترق طرق تاريخي: إمّا إعادة تعريف العلاقة على أسس أكثر توازناً واستقلالية لأوروبا، أو الاستمرار في التآكل التدريجي حتى يصبح الانفصال واقعاً مفروضاً.
وفي كلّ الأحوال، تقترب مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية من نهايتها، ليس بانقلاب مفاجئ، بل عبر سلسلة من الصدمات المتتالية التي تكشف أن ما كان يُصوَّر على أنه "نظام عالمي" كان، في جوهره، توازن قوّة مؤجَّل الانفجار.