اللاجئون السوريون وخريطة المكان
سلوى زكزك
في بلاد اللجوء، يتحول المكان إلى ما هو أكبر من مجرد نقطة على الخريطة، وتتحول تفاصيله والطريق إليه إلى هوية خاصة تتحكم بحياة اللاجئ، وتحدد حجم وشكل الخدمات المتوفرة التي تسهّل حياته أو تعقدها، وربما تعيقها، وحجم المساعدات المقدمة له وكيفية الحصول عليها، وسهولة أو صعوبة التمتع بها.
يتعامل اللاجئون، وخاصة كبار السن الذين لا يتقنون لغة بلد اللجوء، مع الطريق وكأنه مشقة كبيرة، لكنه واجب لا بد منه، ينبغي الوصول إليه، كلٌّ بطريقته الخاصة. وربما تتحول هذه الطريقة إلى شيفرة معلومات تتطابق مع التصور الأول للمكان، متبوعة بابتكار وسائل تسهيلية تقنع اللاجئ بأنه في أمان، ومطمئن لوصوله إلى هدفه بسلاسة وسهولة.
جربت أن أسأل ثلاثة أشخاص عن عنوان محدد وكيفية وصولي إليه. أولهم سيدة قالت بصورة حاسمة: "ابني يوصلني إلى كافة العناوين والمواعيد الرسمية والخاصة، حتى مواعيد الأطباء والتسوق يرافقني ابني؛ لأنني لا أعرف حرفاً واحداً في لغة بلد اللجوء، ولا أمتلك حتى بطاقة مواصلات"، مع العلم أنه مرّ على وجود تلك السيدة في فرنسا أكثر من أحد عشر عاماً.
أما الرجل الثاني، فقال لي وكأنه يرسم خريطة بصرية للمكان، منطلقاً من عنوان بيته الذي أعرفه، قائلاً: "سهلة، بتضلي بالباص حتى يلف ع اليسار، بتنزلي". سألته عن اسم الموقف، فلم يعرف. وسألته عن عدد المواقف التي تفصل بين العنوان المقصود وعنوان بيته، فلم يعرف أيضاً. يبدو أنه في المرة الأولى وصل إلى المكان برفقة أحدهم، واختار أن يحتفظ في ذاكرته بتلك الملاحظة المتعلقة بانعطاف الباص نحو اليسار، تسهيلاً لأي إضافات مطلوبة، هو غير مستعد أصلاً لحفظها أو تسجيلها على الأقل. وعندما سألته: ماذا لو غيّروا الطريق؟ ماذا لو أُغلق هذا الطريق لإجراء إصلاحات دورية، واختاروا له طريقاً بلا انعطاف نحو اليسار؟ صمت، وكأنما أُسقط في يده، وقال: "بيدبرها ربك".
في بلاد اللجوء، يتحول المكان إلى ما هو أكبر من مجرد نقطة على الخريطة، وتتحول تفاصيله والطريق إليه إلى هوية خاصة تتحكم بحياة اللاجئ
أتذكر رجلاً كان يجلس بجواري في المترو، كيف انتفض فجأة وأعلن أنه ضائع. لا يتكلم الفرنسية، ولا يعرف اسم المحطة التي يقصدها. كانت ابنته قد دربته على أن لمحطة السوق التجاري الذي يقصده دوماً لشراء حاجات العائلة نغمة موسيقية محددة خاصة بالمحطة. وفعلياً، يومها صمتت الموسيقى؛ يبدو أن جهاز التسجيل في المترو كان معطلاً. وبعد شعوره بمرور وقت طويل دون ذلك الصوت المطمئن والمانح للثقة بحسن الوصول، شعر بضياع كامل، وبات عاجزاً حتى عن الشرح. ولما سألته إن كان يتكلم العربية، انفرج وجهه، وأخبرني عن المكان المقصود، وهو يسلمني ورقة صغيرة مكتوباً عليها بالعربية قائمة المطلوبات، وأولها: خبز أسمر وشاي محمود.
يعيش محمد وعائلته في قرية صغيرة وبعيدة، لا يصلها الترام ولا الحافلات. وقد منحه العيش في تلك القرية فرصاً متعددة، أولها تأمين منزل كبير مع حديقة، في ظل انعدام فرص تأمين بيوت واسعة ومريحة في المدن، وبأجر منخفض نسبياً، في ظل ارتفاع بدلات إيجار البيوت، حتى في السكن الاجتماعي. كما أن محمد وعائلته باتوا معروفين في القرية، ونتيجة وجود طفلته الصغرى المصابة بفرط النشاط، أضاف التضامن المحلي معه ومع عائلته أبعاداً مهمة ومريحة، مثل استعداد الجيران لمساعدة زوجته وابنته في التنقل، حتى للتسوق، عدا عن بعض المنح العينية الخاصة بهم، بوصفهم عائلة لديها طفلة من ذوي الاحتياجات الخاصة.
لكن ذلك أضاف عبئاً على ابنته الكبرى، التي تضطر إلى التنقل لمسافات بعيدة للوصول إلى مدرستها والعودة منها يومياً، وهو ما يفرض عليها حرماناً مضاعفاً، إذ يبدو من المستحيل أن تشارك في الأنشطة الثقافية والفنية، أو تتمتع بها مثل أقرانها في أماكن أخرى. تقول زوجة محمد: "أنا لا أعرف المدينة الكبيرة، ولا أستطيع الوصول إليها مع طفلتي المريضة".
هي الجغرافيا، تتفاوت في تأثيرها الإيجابي أو السلبي على سكانها، وفي بلاد اللجوء يصير المكان، والوصول إليه، بحد ذاته لجوءاً يومياً متكرراً.