القوة الدولية في غزّة... ما بين الممكن والمأمول
ليست غزة مجرّد بقعة جغرافيّة على خريطةٍ تتّسع للوجع وتضيق بالسلام؛ إنّها مكان يتقاطع فيه التاريخ مع الدم، والذاكرة مع الرماد، والهواء مع القلق. مدينة علّمت العالم أنّ الصمود ليس خياراً، بل عادة يوميّة، وأنّ الحياة قد تولد حتى من بين طبقات الخراب. ومع ذلك، كلّما اشتدّ الخوف فيها، عاد العالم ليُلوّح بفكرة "نشر قوّة دوليّة"، تتناقلها التقارير والتحليلات بوصفها خياراً ممكناً لإدارة الأزمة، بينما تبدو على الأرض ظلاً لا يكتمل، ووعداً لا يجد طريقه إلى اليقين.
فالقطاع، المُثقل بصراعاته وطبقاته المتراكمة من الخوف، لا يستقبل الهدوء بسهولة، ولا يمنحه الثقة إلا بتردّدٍ يشبه النبض الأخير قبل الاستيقاظ. إنّ وجود قوّة دوليّة في منطقة تتغيّر معالمها مع كل جولة تصعيد ليس مجرّد خطوة أمنيّة، بل اختبار لمعنى الهدوء نفسه: أهو هدوء تُفرض ملامحه من الخارج، أم فسحة حقيقيّة تمنح الناس القدرة على التنفّس؟ وهل يكفي أن يقف جنود غرباء بين طرفين متوتّرين كي يتحوّل الصمت إلى طمأنينة؟
حين يدخل الغريب أرضاً مثقلة بالكدمات، يأتي بظلالٍ أكثر من نور. القوّات الدوليّة كيانٌ يُفترض حياده فوق أرضٍ ترفض الحياد؛ تمشي بخوذٍ زرقاء بين طرقٍ تتذكّر الراحلين، وجدرانٍ تحتفظ بصدى الصراخ، وتحاول أن تُحصي الخسائر كأنّ الوجع أرقام لا وجوه. قد تستطيع هذه القوّة تنظيم عبور شاحنة، أو فتح طريقٍ مُغلق، أو مراقبة هدنة فوق جدارٍ متصدّع، لكنها لا تستطيع بناء الثقة في قلوبٍ فقدت الثقة بكلّ شيء، ولا أن تعزف لحن الأمان في بيئة لا تزال تسمع دويّ الحرب في أحلامها.
حين يدخل الغريب أرضاً مثقلة بالكدمات، يأتي بظلالٍ أكثر من نور. القوّات الدوليّة كيانٌ يُفترض حياده فوق أرضٍ ترفض الحياد
إنّ وجود قوّة أجنبيّة في غزّة قد يوقف رصاصة، وقد يخفّف حصاراً، لكنه لا يخلق سلاماً. فالسّلام الذي يُفرض من الخارج لا يُزهر في الداخل، والأمن الذي يأتي من الخارج يظلّ أمنيّاً لا إنسانيّاً؛ له قوانينه، ولغته، وأوامره المكتوبة بيدٍ بعيدة. أمّا الأمن الذي تحتاجه غزّة فهو أمنٌ يشبه المدينة، يحمل أصوات الباعة، وتحتضنه شرفات المنازل؛ أمنٌ يعرف أنّ الخطوة في الشارع قد تكون الأخيرة، ومع ذلك تُخطى.
السّلام ليس مدرّعة زرقاء، ولا جنديّاً يرفع حاجبه ليتفحّص الأفق، بل لحظة يستطيع فيها الناس أن يناموا دون خوف، وأن يحلموا دون أن يقطع الحلم صراخٌ من بعيد، وأن يستيقظوا دون أن يعدّوا أسماء الغائبين. السّلام الحقيقي يبدأ حين يتوقّف العالم عن النظر إلى غزّة كـ"قضيّة"، ويبدأ في رؤيتها بيتاً يحاول سكّانه النجاة.
غزّة ليست معادلة تُحلّ، ولا أزمة تُراقَب من خلف الشاشات، بل تاريخ يختلط بالدم. كيف سيعرف الغرباء معنى أن تنام عائلة كاملة في زاوية واحدة من الغرفة لأن المساحة الأخرى صارت ذاكرة انفجار؟ وكيف سيفهمون أنّ الطفل هنا يعرف طعم البارود أكثر ممّا يعرف طعم العيد؟ إنّهم يأتون ليمسكوا زمام هدوء لم يختبروه، ويحرسوا صمتاً لم يفهموه، ويوقّعوا على تقارير تُكتب بأيدٍ لم تلمس الرماد الساخن.
الهدوء الذي تعد به القوّة الدوليّة ليس سوى قشرة رقيقة تُغطّي بركاناً يغلي. يبدو كلّ شيء ساكناً، لكن إن اقتربت قليلاً سمعت ارتجاف الأنفاس، وخشخشة الخوف، وصوت قلبٍ ينتظر ما سيأتي. الهدوء هنا ليس نعمة، بل مؤامرة وقت؛ يُغري الناس بأن يلتقطوا أنفاسهم، ثم يفاجئهم بصدمة جديدة. ومهما حاول الجنود تنظيم الهدوء، فلن يستطيعوا السيطرة على الصمت الذي ينتشر في القلوب.
القوّة الأجنبيّة ستأتي، ثم سترحل، مثل كثيرين مرّوا من هنا دون أن يعرفوا اسم الشارع الذي حمل دمنا، ولا رائحة البيت الذي صار حفرة، ولا أشكال الكدمات التي تركها الدهر على صدور الناس. سيغادر الجنود في نهاية مهمّتهم، كما يغادر كلّ غريبٍ أرضاً لم يعشقها، ويتركون وراءهم تقارير وخرائط وصوراً جويّة، وعبارة باردة: "قمنا بما نستطيع". لكن ماذا يفعل المكان بعد أن يغادروا؟ وماذا يفعل الناس الذين ما زالوا ينامون بملابسهم تحسّباً لصوتٍ يأتي من فوقهم؟
إنّه سلامٌ هشّ، كزجاجٍ نجا صدفة، وكابتسامة طفلٍ يعرف أنّ الفرح قد لا يدوم؛ سلامٌ يقف على الحدّ بين الحياة والموت… موجود، لكن بلا ملامح ولا يُمكن لمسه.
وأنا، هنا في هذه المدينة المكلومة، أعترف: لا أريد قوّة دوليّة. أريد فقط يوماً واحداً أستطيع فيه أن أتنفّس دون خوف من الهواء، سماءً لا تلمع فيها رصاصة، وليلًا لا يسألني كم بقي في قلبي من قدرة على التحمّل. أريد سلاماً يعرف اسمي، وشوارع مدينتي وجراحها؛ سلاماً يأتي من داخل هذه الأرض، لا من جيوب الغرباء. أمّا السلام المُحمّل بالأسلحة والقرارات والزيارات الدبلوماسيّة، فهو سلام بلا ظلّ؛ سلامٌ لو لُمِس لانكسر.
القوّة الدوليّة قد تحمي من شمس الحرب، لكنها لا تصنع نهاراً. غزّة تحتاج عدالة تُعيد توازن الأرض، واعترافاً بحقّها في الحياة بلا وصاية، وسلاماً على هيئة فجرٍ جديد؛ فجرٍ يعرفه أهلها قبل أن يعرفه العالم، وينمو معهم لا فوقهم.
في النهاية، يبقى وجود قوّة دوليّة في غزّة مسألة تتجاوز الإجراءات العسكريّة والتقارير الرسميّة. قد توقف رصاصة أو تفتح ممرّاً، لكنها لا تستطيع أن تمنح غزّة الهدوء الذي يحتاجه سكّانها؛ هدوءاً ينبع من شعورٍ حقيقي بالأمان، من تفاصيل الحياة اليوميّة، ومن قدرة الإنسان على أن يحلم بالغد دون أن يضع يده على قلبه انتظاراً للكارثة المقبلة.