القبيلة والسياسة في المغرب

31 اغسطس 2026
+ الخط -

تعدّ التزكيات الحزبية في المغرب من أبرز الإشكالات التي تواجه العملية الانتخابية؛ إذ يؤدي غياب الديمقراطية الداخلية داخل الأحزاب إلى خضوع هذه التزكيات لاعتبارات القرابة والمصاهرة، بما يضعف الثقة في العمل الحزبي.

إلا أن مقاربة التزكيات الحزبية في المغرب تقتضي النظر إليها من منظور علم الاجتماع القروي والحضري؛ إذ تسعى الأحزاب السياسية إلى استقطاب مرشحين في الوسط القروي بوتيرة تفوق نظيرتها في الوسط الحضري. كما تلجأ إلى تغيير مرشحيها في كل استحقاق انتخابي في البادية، في حين لا تنتهج النهج ذاته في المدن، وذلك لأن المجتمع القروي يُعدّ الخزان الأساسي للأصوات الانتخابية، على عكس المجال الحضري الذي يتسم بالانغلاق، فضلاً عن إحجام كتلته الناخبة غالباً عن التصويت، بحكم الطابع المهاجر لجزء من سكانه.

وتسعى الأحزاب أيضاً إلى استقطاب نخب جديدة تتمتع بنفوذ اجتماعي واقتصادي داخل القبيلة، أو جذب مرشحين من أحزاب أخرى؛ وهو سلوك يتنافى مع المرجعيات الحزبية، إذ يصعب استيعاب شخص تشبّع لسنوات بمبادئ حزب معين داخل تنظيم يتبنى مرجعية مخالفة تماماً. ويؤكد ذلك أن الفاعل الحزبي في المغرب بات يغلب منطق ضمان المقعد الانتخابي على المبادئ والقيم الحزبية، بما يعكس إخفاق الأحزاب المغربية في تقديم مرشحين يمتلكون روابط تاريخية وسياسية أصيلة مع أحزابهم.

وتلجأ الأحزاب السياسية إلى تغيير مرشحيها في الأوساط القروية بنسبة تصل إلى 80%، بخلاف المدن، ما يذكي صراعاً حاداً بينها على الولاءات القبلية بدلاً من البرامج الانتخابية. ويعود ذلك إلى تجذّر المكانة السياسية للقبيلة في التاريخ المغربي، وهو ما يؤكد استمرار هيمنة الولاء القبلي على جانب من المشهد الانتخابي.

تجذّر المكانة السياسية للقبيلة في التاريخ المغربي، وهو ما يؤكد استمرار هيمنة الولاء القبلي على جانب من المشهد الانتخابي

وعلى الرغم من استمرار ظاهرة الأعيان والتصويت القائم على القرابة والمصاهرة، فقد شهد الوسط القروي في المغرب تحولاً سياسياً واجتماعياً ملموساً. فبعد أن كانت هذه الظاهرة سمة عامة في مختلف المناطق القروية، أصبحت في السنوات الأخيرة محدودة ومقتصرة على مناطق معينة، ما يؤكد حدوث تغيير جوهري في بنية المجتمع القروي المغربي.

وبالتالي، تعتمد الأحزاب السياسية في إدارتها للمرحلة التشريعية المقبلة، كما في الاستحقاقات السابقة، على القبيلة بوصفها ركيزة أساسية للعملية الانتخابية، إلا أن هذا الدور ينحسر بانتهاء الانتخابات، ما يؤكد أن ثقل القبيلة في المشهد الانتخابي لا يزال قائماً، في حين يقتصر سعي الفاعل الحزبي على تطوير آليات منح التزكيات وإيلائها أهمية أكبر.

ويعني ذلك أن مختلف فئات المجتمع، سواء في الوسط القروي أو الحضري، تؤثر في توجهات الأحزاب السياسية عند اختيار مرشحيها للعملية الانتخابية، ما يدفع الأحزاب إلى منح التزكيات بناءً على البيئة المجتمعية المحيطة بالمرشحين ومدى ارتباطهم بالساكنة.

سكان المدن يتكونون في الغالب من مهاجرين لا يولون أهمية كبيرة للعملية الانتخابية، ويعتبرونها أمراً ثانوياً

وبناءً على ما سبق، يلاحظ أن القبيلة في المغرب لا تزال تؤدي دوراً محورياً ورئيسياً في رسم الخريطة السياسية، نظراً إلى ثقلها الكبير؛ إذ تستند إلى الولاء القبلي الذي يجعلها عاملاً مؤثراً في نسبة المشاركة السياسية، حيث يرتبط ارتفاع هذه النسبة أو تراجعها بمدى انخراط القبيلة في العملية السياسية.

وبناءً على ذلك، يتجه لجوء الأحزاب السياسية في المغرب إلى الاعتماد على القبيلة، لا سيما في المجال الحضري، إلى استهداف الكتلة الناخبة التي توفرها القبيلة. ويعود ذلك إلى أن سكان المدن يتكونون في الغالب من مهاجرين لا يولون أهمية كبيرة للعملية الانتخابية، ويعتبرونها أمراً ثانوياً. وعلى النقيض من ذلك، تظل القبيلة خزاناً انتخابياً للأحزاب، ولا سيما أن الثقافة السياسية لدى سكان المجال القروي ارتفعت بفعل التحولات الرقمية والتطورات المتسارعة التي شهدتها مناطقهم.