الطيبة ليست سذاجة

05 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 20:59 (توقيت القدس)
+ الخط -

في زمنٍ يُقاس فيه الإنسان بما يملك، لا بما يحمل في قلبه، صارت الطيبة أشبه بنبتة نادرة تنمو في أطراف الصحراء. قليلون ما زالوا يحتفظون بها كما هي؛ نقيّة، صادقة، لا تنتظر مقابلًا ولا تُغيّر لونها بتغيّر الوجوه. وربما لهذا السبب بالذات، صار البعض يظن أن الطيبة ضعف، وأن صاحب القلب الحنون مجرّد شخص يسهل كسره أو استغلاله، لكن الحقيقة أبعد وأعمق من ذلك بكثير.

الطيب لا يكون ضعيفًا... الطيب يختار.

يختار أن يبقى نظيفًا في عالم تتكدّس فيه الأقنعة، يختار أن يحافظ على نقائه حتى لو لوّث الآخرون الطريق. الضعيف هو من ينساق وراء قسوة العالم، أما القوي فهو من يقاومها من دون أن يتحوّل إلى نسخة منها.

الطيبة قوّة لأنها تحتاج إلى شجاعة. تحتاج إلى قلب لا يخاف أن يُجرح، ولا يخاف أن يُساء فهمه، ولا يساوم على مبادئه مهما ضاقت الدنيا. قال الله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}… وهذه ليست وصية سهلة. أن تدفع الشرّ بالخير يعني أن تتحكم في غضبك، أن ترفع أخلاقك فوق جراحك، أن تختار أن تكون إنسانًا في كل مرة يغريك العالم بأن تكون شيئًا آخر.

الطيبة ليست سذاجة كما يتخيّل البعض.

الطيب الحقيقي يرى الضوء والظل معًا، يعرف الناس على حقيقتهم، ومع ذلك يختار أن يعاملهم بما يليق به هو لا بما يليق بهم. الطيبة ليست أن تكون أعمى، بل أن ترى جيدًا ثم تُحسن رغم كل شيء

الساذج هو من يُصدّق الجميع، من يفتح أبوابه لأي أحد، من يتجاهل نداءات قلبه عندما يشعر بأن أمامه شخصًا مؤذيًا. أما الطيب الحقيقي فهو يرى الضوء والظل معًا، يعرف الناس على حقيقتهم، ومع ذلك يختار أن يعاملهم بما يليق به هو… لا بما يليق بهم. الطيبة ليست أن تكون أعمى، بل أن ترى جيدًا ثم تُحسن رغم كل شيء.

ولأن العالم أصبح أسرع مما ينبغي، وأقسى مما يتحمّل القلب، أصبحت الطيبة اليوم نوعًا من المقاومة. مقاومة ضد التفاهة، ضد الأنانية، ضد الاستهلاك الذي جرّد الإنسان من إنسانيته. الطيبون هم آخر من يذكّرنا بأن العلاقات لا تُقاس بالمصلحة، وأن الكلمات ما زالت تملك روحًا، وأن الخير لا يزال ممكنًا.

ولعلّ أجمل ما في الطيبة أنها لا تحتاج إلى إعلان ولا برهان.

الطيب لا يتكلّم عن نفسه، ولا يشرح نيّته، ولا يُدافع عن قلبه. يكفي أن يمرّ في حياة الناس ليترك أثرًا يشبه نسيم الفجر: هادئ، بسيط، لكنه يغيّر الجو كله. وقد علّمنا الرسول ﷺ أن "الرفق لا يكون في شيء إلا زانه"، والرفق واللين جزء من هذه الطيبة التي تُجمّل وجه الحياة حتى في أصعب أوقاتها.

ورغم كل هذا، لا أحد يخرج من الطيبة بلا جراح.

سيُساء فهمك، سيُسيء إليك البعض، سيعتبرك آخرون فرصةً أو سلّمًا. لكنك، في آخر الليل، حين تضع رأسك على الوسادة، تعرف أنك لم تخن قلبك. وهذا وحده يكفي كي تنام مرتاحًا، لأن الله لا يضيّع قلبًا أراد الخير.

قد يخذلك البشر، وقد تتغيّر الوجوه، وقد تمرّ بتجارب تُقنعك بأن تُغلق قلبك جيدًا.. لكن الطيبة ليست بابًا يُغلق، بل نورًا يُخفَّف حينًا ويشتد حينًا آخر. كل ما تحتاج إليه هو أن تمنح نفسك حكمة الانتقاء: أن تبقى طيبًا، لكن لا تسمح لأحد أن يستخدم طيبتك ضدك. أن تظلّ نقيًّا، لكن تدرك أن ليس كل يد تُمدّ إليك تستحق أن تمسك بها.

في النهاية...

الطيبة ليست ضعفًا، ولا سذاجة، ولا "ثغرة" في الشخصية. هي آخر قوّة باقية في عالم يتظاهر بالقوّة بينما يستنزفه الخوف والفراغ من الداخل. أن تكون طيبًا يعني أنك ما زلت تختار أن تكون إنسانًا رغم كل أسباب القسوة من حولك. وهذا، في زمنٍ مثل هذا، أعظم قوة يمكن أن تمتلكها.