الضم تكريساً للكانتونات الاقتصادية في الضفة الغربية
منذ أكثر من نصف قرن، قدّم الصحافي الهندي رستم كرانجيا، في كتابه "خنجر إسرائيل"، قراءة مُبكّرة لفكرة السيطرة عبر تفكيك الخصم إلى وحدات صغيرة تسهل إدارتها، مُستندًا إلى حوار مع قادة إسرائيليين ورصدٍ لمنطق "التقسيم بغرض الإضعاف"، الذي يتجاوز القوّة العسكرية المباشرة إلى هندسة واقع سياسي اجتماعي مُفكّك. هذا المتن الفكري جرى استحضاره لاحقًا بوصفه إطارًا يفسّر سياسات تُبقي الجغرافيا العربية في حالة تشظٍ دائم، ولعل ما جرى ويجري حاليًا في الضفة الغربية يستدعي إعادته إلى النقاش المُعاصر.
تتجلّى بوضوح ملامح الفكر الصهيوني الساعي إلى تفتيت فلسطين وتحويلها إلى كيانات معزولة، من خلال الطروحات السياسية والاقتصادية التي يروّج لها قادة الاحتلال. فوزير الاقتصاد والصناعة السابق نير بركات دعا إلى تطبيق ما أسماه نموذج "الإمارات الفلسطينية" صيغةً بديلةً عن الدولة الواحدة المُتصلة، تقوم على كانتونات محلية يسهل التحكّم بها، على غرار ما طُرح سابقًا في إطار نموذج "إمارة الخليل".
وفي السياق نفسه، شدّد وزير المالية اليميني بتسلئيل سموتريتش على أنّ "الدولة الفلسطينية لا تُمحى بالشعارات؛ بل بالأفعال"، مؤكّدًا أنّ جوهر المخطّط يتمثّل في إنهاء إمكانية قيام دولة فلسطينية متواصلة عبر التفكيك والفصل. تعكس هذه الطروحات رفض التسوية العادلة وتكشف عن استراتيجية إسرائيلية ترسّخ واقع التقسيم والتبعية خيارًا دائمًا للفلسطينيين.
الاقتصاد في قلب المشهد
وهنا يدخل الاقتصاد مباشرة إلى قلب المشهد، ففي الضفة الغربية اليوم، التفتيت الجغرافي السياسي أنجب تفتيتًا اقتصاديًا. على هذا الأساس، يظهر الواقع اليوم في الضفة الغربية حيث تُستخدم الكانتونات الاقتصادية أداةً لإضعاف السوق الفلسطينية، من خلال فصل المدن والموارد والأنشطة التجارية عن بعضها، وتحويل الاقتصاد إلى وحدات معزولة سهلة الإدارة والسيطرة. فمشروع ضم الضفة الغربية ليس مجرّد إجراء سياسي، بل هو استراتيجية اقتصادية مُمنهجة تهدف إلى إعادة تشكيل الاقتصاد الفلسطيني ضمن بنية من الجيوب الاقتصادية (enclaves) المنفصلة، بما يؤدي إلى تفكيك السوق الفلسطينية ومنع قيام اقتصاد وطني متكامل. وبذلك، يوظّف الاحتلال حالة التفتت الداخلي لتعزيز مركزيته في معادلة السيطرة، عبر إبقاء الاقتصاد الفلسطيني عاجزًا عن العمل باعتباره وحدة متماسكة وفاعلة.
تآكل وحدانية السوق الفلسطينية
أدّت الحواجز الإسرائيلية والطرق الالتفافية والمُستوطنات إلى تفكيك الترابط الجغرافي والاقتصادي بين المدن والقرى الفلسطينية، ما وسّع فجوات الأسعار بين الكانتونات وخلق "أسواقًا أسيرة" ضعيفة القدرة التفاوضية والمنافسة. كما تعيق القيود على حركة البضائع انسياب التجارة، إذ تُجبر الشاحنات على تفريغ حمولاتها للتفتيش الطويل، ما يؤدي إلى تلف السلع وارتفاع تكاليف النقل. ومع الوقت، تحوّل هذه الممارسات الاقتصاد الفلسطيني إلى شبكة من الأسواق الصغيرة المعزولة المرتبطة بالاحتلال أكثر من ارتباطها بعضها ببعض.
مع العزلة المكانية وتقييد حركة السلع، تتآكل التجارة الداخلية ويتعمّق الارتهان للاقتصاد الإسرائيلي
يأتي ذلك عبر تعطيل سلاسل القيمة الداخلية، فمثلًا، يتعذّر وصل الإنتاج الزراعي في الأغوار بأسواق الخليل ونابلس بسلاسة، فيما الصناعات الصغيرة في الخليل تُحاصر بعيدًا عن القدس ورام الله. هذه التجزئة تقطع سلاسل القيمة وتُفقد الاقتصاد الفلسطيني ميزة الترابط بين قطاعاته، فترتفع أزمنة العبور وتكاليف النقل والتأمين والمخاطر، فتتبعثّر الشبكات الإنتاجية وتتقلّص هوامش الربح.
انكماش الاستثمار والإنتاجية
شح اليقين المؤسسي، مع تقييد حركة العمالة والسلع ورأس المال، يوجّه النشاط الاقتصادي نحو دوائر قصيرة المدى، تقتصر على تلبية الاحتياجات الضرورية والحيوية، أي توجّه الاقتصاد نحو اقتصاد بقاء بدلًا من اقتصاد تنموي. فبعد خسارة الاقتصاد الفلسطيني أكثر من 300 ألف وظيفة منذ اندلاع الحرب على غزة، وارتفاع معدل البطالة في الضفة الغربية إلى حوالي 32%، تقلّصت الإنتاجية وتراجع الاستثمار المحلي بشدّة. هذا السياق غير المستقر يُثبّط مشاريع البنية التحتية والاستثمار الاستراتيجي، بينما تدفع التعقيدات الإدارية والتقييدات اليومية في حركة رؤوس الأموال إلى اقتصادات قصيرة الأجل، تعتمد على دورات استهلاكية مؤقتة.
زيادة التبعية للاحتلال
يُكرّس الضم تبعية الاقتصاد الفلسطيني عبر السيطرة الإسرائيلية على المعابر والموارد، إذ تُحدَّد حدود النشاط الاقتصادي وفق اعتبارات أمنية لا تنموية، فتغدو السوق الفلسطينية أسيرة للواردات الإسرائيلية. ومع العزلة المكانية وتقييد حركة السلع، تتآكل التجارة الداخلية ويتعمّق الارتهان للاقتصاد الإسرائيلي. وتشمل الهيمنة حتى القطاع المصرفي، حيث تبقي البنوك الإسرائيلية علاقات المراسلة رهينة للسياسة، فتقيّد التحويلات وتعيق استيعاب فائض الشيكل، ما يجعل النظام المالي الفلسطيني مُعلّقًا بإرادتها. وبعد الحرب، تفاقمت هذه التبعية مع تهديدات وزير المالية بإلغاء الإعفاء الخاص بتحويلات الشيكل، ما زاد حالة عدم اليقين وعطّل تمويل واردات أساسية كالغذاء والوقود.
إنّ تكريس الكانتونات الاقتصادية عبر الضم يجمع بين تفتيت الجغرافيا وتقويض مقوّمات السيادة الاقتصادية الفلسطينية، عبر تعطيل الترابط الإنتاجي، وإضعاف السوق الداخلية، وتعميق التبعية البنيوية للاحتلال. وبهذا، يتحوّل الاقتصاد الفلسطيني إلى فضاء مُجزّأ عالي الكلفة، فاقد القدرة على تحقيق تنمية، ما يقوّض بصورة جوهرية أي أفق لقيام اقتصاد وطني متماسك. وفي النهاية، يبدو الضم بما يحمله من تفكيك وتبعية بمثابة "خنجر إسرائيل" الاقتصادي، يغرس في جسد الاقتصاد الفلسطيني ليبقيه في حالة نزف دائم، ويمنع تشكّل سيادة حقيقية أو تنمية مستقلة.