السلام بالإكراه… منطق القوة وتجارة الخوف

26 يناير 2026
+ الخط -

لا يمكن فهم فكرة ما يُسمّى بـ"مجلس السلام" الأميركي، بهيئته المتحوّلة من إطار قيل إنه معنيّ بغزة، إلى كيان يُروَّج له اليوم بصفته "مجلس سلام عالمي"، خارج سياق أشمل يتصل بتحولات عميقة في بنية إدارة النظام الدولي، وبانتقال نوعي من منطق القانون والشرعية والمؤسسية إلى منطق الإكراه السياسي والاقتصادي.

فالقضية هنا لا تتعلق بمبادرة سلام حقيقية، ولا حتى بمحاولة إصلاح جزئي لمنظومة الأمم المتحدة، بل بإعادة تعريف مفاهيم أساسية، وفي مقدمتها مفهوم السلام ذاته، بوصفه أداة للهيمنة، وسلعة سياسية تُدار عبر ما يمكن تسميته بـ"تجارة الخوف".

وتكشف نصوص ميثاق المجلس، في جوهرها، أنه يقوم فعلياً على إفراغ فكرة السلام من مضمونها التاريخي والقانوني. فالسلام، كما تشكّل في الوعي الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، ارتبط بالقانون الدولي، وبمفاهيم الشرعية الأممية، وبحق الشعوب في تقرير مصيرها، وبآليات جماعية توازن بين القوى وتحدّ من تغوّل الدولة الأقوى.

أما النموذج الذي يطرحه ميثاق المجلس الأميركي، فيُفصل فيه السلام عن العدالة، ويُنزع من سياقه الحقوقي، ويُعاد تركيبه داخل معادلة أساسها الضغط والتهديد والابتزاز. وهنا لا يعود السلام نتيجة تسوية عادلة ومقبولة، بل ثمن يُدفع مقابل الطاعة السياسية.

نموذج المجلس الأميركي يُفصل فيه السلام عن العدالة، ويُنزع من سياقه الحقوقي، ويُعاد تركيبه داخل معادلة أساسها الضغط والتهديد والابتزاز

واللافت في ميثاق المجلس أنه لا يستند إلى الدولة الأميركية بوصفها مؤسسة، بقدر ما يتمحور حول شخص الرئيس وإدارته، إذ يمنح الميثاق الرئيس الأميركي وحده حق الفيتو، وحق قبول الدول أو إقصائها، بما يحوّل المجلس إلى كيان شخصاني، أقرب إلى امتداد لإرادة فردية منه إلى إطار دولي مستقر.

ولا يطرح هذا الطابع الشخصي سؤال الاستمرارية بعد غياب الرئيس دونالد ترامب فحسب، بل يكشف خللاً بنيوياً أعمق: نحن أمام مجلس لا يمتلك شرعية مستقلة، ولا قواعد مؤسسية، ولا آليات مساءلة، بل يقوم على مبدأ الولاء السياسي المباشر.

وتبرز المفارقة الجوهرية في أن غزة، التي قيل إن المجلس أُنشئ أصلًا لإحلال السلام فيها، غابت تماماً عن نص الميثاق، كما غاب أي تمثيل فلسطيني حقيقي، في مقابل حضور كامل لدولة الاحتلال، رغم اتهام قيادتها بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية.

ولا يمكن قراءة هذا الإقصاء إلا بوصفه تعبيراً صريحاً عن فلسفة قيادة المجلس الأميركي، التي تسعى إلى تصفية القضية الفلسطينية، وتحويلها من مشروع تحرر وطني إلى مسألة إنسانية تقنية تُدار عبر الغذاء والإغاثة وإعادة الإعمار، المشروط بنزع السلاح. أي تفريغ الصراع ونضال الشعب الفلسطيني من مضمونهما السياسي والتاريخي.

وفي السياق ذاته، يصبح الحديث عن "إدارة تكنوقراط" لغزة، تحت إشراف مجلس تنفيذي أميركي - غربي، دون أي دور قيادي فلسطيني أو عربي، امتداداً مباشراً لمنطق الوصاية الاستعمارية بواجهة سلام مُحدّثة. فالسيادة لا تُلغى بالقوة العسكرية وحدها، بل أيضاً عبر إعادة هندسة التمثيل السياسي، ونزع القرار الوطني من أصحابه، وتحويلهم إلى موضوع للإدارة لا فاعلين في تقرير المصير.

"إدارة تكنوقراط" لغزة، تحت إشراف مجلس تنفيذي أميركي – غربي، دون أي دور قيادي فلسطيني أو عربي، هي امتداد مباشر لمنطق الوصاية الاستعمارية

وتكشف تركيبة الدول المنضمّة إلى المجلس، بوضوح، منطق "تجارة الخوف" الذي يقوم عليه. فغياب الدول المؤثرة والاتحاد الأوروبي، مقابل حضور دول هامشية في النظام الدولي، أو دول منزوعة الإرادة الاستراتيجية والسيادة، يشير إلى أن الانضمام لا يعكس قناعة سياسية، بل استجابة لضغوط وتهديدات مباشرة أو غير مباشرة.

وحين ترفض دول مثل فرنسا وكندا وألمانيا والسويد والنرويج وإيطاليا الانضمام إلى المجلس، استناداً إلى تعارضه مع الشرعية الدولية، بينما تنضم دول يُفترض أنها أكثر ارتباطاً بالقضية الفلسطينية، فإننا نكون أمام مشهد لا يعكس اختلاف المبادئ، بل اختلال موازين القوة.

و"تجارة الخوف" هنا ليست توصيفاً مجازياً، بل آلية أميركية دولية مكتملة الأركان؛ إذ تتحول التهديدات بفرض رسوم جمركية، أو عقوبات اقتصادية، أو العزل السياسي، إلى أدوات لإنتاج "شرعية بالإكراه". فالسلام، في جوهره، يفترض أن يكون خياراً تعاقدياً بين أطراف متساوية، لا صفقة تُفرض بالتهديد: إما الانضمام، أو تحمّل كلفة العصيان.

بهذا المعنى، يعيد المجلس الأميركي إحياء نموذج إمبراطوري قديم، تُدار فيه العلاقات الدولية بمنطق العصا والولاء، لا بمنطق القناعة والاتفاق.

والأخطر من ذلك أن المجلس يسعى فعلياً إلى إنشاء شرعية دولية موازية للأمم المتحدة، تمهيداً لتهميشها. فكما جرى إضعاف الأونروا، والطعن في شرعية المحاكم الدولية، يجري اليوم الالتفاف على مجلس الأمن ذاته، عبر خلق أطر بديلة تخضع حصرياً للقرار الأميركي. ولا يعني هذا المسار إصلاح النظام الدولي، بل تفكيكه، وتحويله إلى شبكة من الكيانات المرتهنة لمراكز القوة، بما يقرب العالم أكثر من أي وقت مضى من حالة فوضى دولية، أقل قابلية لإدارة النزاعات بعدالة.

في المقابل، تدرك أوروبا، رغم تردّدها، خطورة هذا المنحنى، لأنه يمسّ جوهر بنية النظام الدولي والأسس التي قامت عليها سياساتها الخارجية. أما الصين وروسيا، فترى في المجلس تهديداً مباشراً لتوازنات النظام الدولي، وإن لم تُعلن ذلك صراحة، ما يجعل انخراطهما فيه مستبعداً. وبذلك، يظل المجلس محصوراً في فلك النفوذ الأميركي، وعاجزاً عن التحول إلى إطار عالمي متفق عليه.

وعليه، لا يواجه العالم اليوم إشكالية نجاح أو فشل هذا المجلس بعينه، بل إشكالية أعمق تتعلق بالخريطة الذهنية لمنطق إدارة الخوف وبناء السلام العالمي. فهل يمكن لسلام يُفرض بالتهديد أن يُنتج استقراراً دولياً؟ في عالم يُدار بالخوف، لن تكون فلسطين الضحية الوحيدة، بل فكرة القانون الدولي ذاتها، وكل ما تبقى من أمل في نظام عالمي أكثر عدالة وإنسانية.