الحرب السيبرانية في أوروبا
لم تعد التهديدات التي تواجهها أوروبا في عام 2025 محصورة في الجغرافيا أو في احتمالات المواجهة العسكرية التقليدية، بل انتقلت إلى فضاء أكثر تعقيدًا وخفاءً هو الفضاء السيبراني. فالدول الأوروبية، التي بنت نموذجها السياسي والاقتصادي على الترابط الرقمي والتكامل العابر للحدود، تجد نفسها اليوم أمام نمط جديد من الصراع لا يستهدف السيطرة على الأرض بقدر ما يستهدف وظائف الدولة، واستمرارية المؤسسات، والأسس التي تقوم عليها الديمقراطية الأوروبية.
هذا التحوّل لم يعد محلّ نقاش نظري داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، بل اعتُرِف به رسميًا. ففي بيان صادر في يوليو/ تموز 2025، أكّد الاتحاد أنّ "دوله تتعرّض لحملات هجينة مستمرة وخبيثة تهدف إلى تقويض الأمن والمرونة والاستقرار الديمقراطي". وبهذا الوصف، لم تعد الهجمات السيبرانية تُعامل بوصفها تهديدًا تقنيًا هامشيًا، بل أُدرجت في قلب التهديد السياسي والاستراتيجي الذي تواجهه القارة.
وترى العواصم الأوروبية أنّ جوهر الحرب السيبرانية لا يقوم على التدمير الشامل أو المواجهة المباشرة، بل على الإرباك المنهجي والمُتدرّج. فتعطيل الخدمات العامة، أو شلّ البنى التحتية الرقمية الحيوية، أو التشكيك في موثوقية المعلومات، يمكن أن يُحدث آثارًا سياسية واجتماعية عميقة قد تفوق في بعض الأحيان نتائج الضربات العسكرية التقليدية. لهذا السبب، بات الاتحاد الأوروبي يتعامل مع الهجوم الرقمي بوصفه تهديدًا مباشرًا للاستقرار الداخلي ووظائف الدولة، لا مجرّد جريمة إلكترونية عابرة للحدود أو نشاط استخباراتي محدود التأثير.
الجمع بين الهجمات الرقمية والتلاعب بالمعلومات يشكّل تهديدًا مزدوّجًا، لأنّه يقوّض الثقة في العملية الديمقراطية والمؤسسات السياسية
في هذا السياق، تتجه الاتهامات الأوروبية بشكلٍ متزايد نحو روسيا، التي تُقدَّم في الخطاب الأوروبي الرسمي بوصفها الفاعل الرئيسي في هذا النمط من الصراع. فقد حذّرت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون ديرلاين، من أنّ أوروبا تواجه حملة منسّقة في "المنطقة الرمادية"، تشمل هجمات سيبرانية وأعمال تخريب وتلاعبًا بالمعلومات، وتهدف إلى إضعاف المجتمعات الأوروبية وتقويض دعمها للسياسات المشتركة، ولا سيما تلك المُتعلّقة بالحرب في أوكرانيا. هذا الخطاب لم يكن توصيفًا أمنيًا فحسب، بل عكس انتقال مفهوم "الحرب الهجينة" من نطاق التحليل الأكاديمي إلى صلب الخطاب السياسي الأوروبي.
غير أنّ هذا السرد الأوروبي لا يحظى بإجماع دولي مُماثل. فمن وجهة نظر موسكو، تُرفض هذه الاتهامات باعتبارها جزءًا من تسييس الفضاء السيبراني واستخدامه أداة لتبرير سياسات الردع والعقوبات الغربية. ويصوّر الخطاب الروسي الاتحاد الأوروبي بوصفه جزءًا من الاستراتيجية الأطلسية، مُعتبرًا أنّ ما تصفه بروكسل بالحرب الهجينة ليس سوى انعكاس لصراع جيوسياسي أوسع تُوظَّف فيه مفاهيم الأمن السيبراني سلاحًا سياسيًا وخطابيًا أكثر من كونها توصيفًا قانونيًا دقيقًا.
لم يعد الاستقرار مسألة حدود وجيوش، بل مسألة ثقة، ومعلومة، واستمرارية خدمات
ويكشف هذا التباين في السرديات عن اختلاف أعمق في مقاربة الصراع السيبراني بين أوروبا والولايات المتحدة. فالولايات المتحدة تنظر إلى الفضاء السيبراني باعتباره مجالًا عملياتيًا قائمًا بذاته، يخضع لمنطق الردع والقدرة الهجومية والتفوّق التكنولوجي، وقد دُمجَت العمليات السيبرانية بشكل صريح في عقيدتها العسكرية. في المقابل، يميل الاتحاد الأوروبي إلى تأطير التهديد السيبراني ضمن مفهوم أشمل يقوم على حماية "المرونة المجتمعية"، وصون الديمقراطية، وضمان استمرارية عمل المؤسسات، انطلاقًا من إدراك هشاشة نموذجه القائم على الانفتاح الرقمي والترابط العابر للحدود.
ولا يقتصر هذا الفارق على الجوانب التقنية أو العسكرية، بل يعكس اختلافًا بنيويًا في تصوّر القوّة. فبينما تنطلق واشنطن من منطق القوّة الصلبة المدعومة بالتفوّق العسكري والتكنولوجي، تنطلق بروكسل من إدراك هشاشة نموذجها السياسي والاقتصادي القائم على الثقة المتبادلة والانفتاح المعلوماتي. وبهذا المعنى، فإنّ أوروبا لا تخوض حربًا سيبرانية بالمعنى العسكري الكلاسيكي، بل صراعًا طويل الأمد على استمرارية نموذجها في بيئة دولية باتت أكثر عدائية وأقلّ قابلية للتنبؤ.
وتبرز خطورة هذا الصراع، من وجهة نظر المؤسسات الأوروبية، في كونه لا يستهدف الأنظمة التقنية وحدها، بل يطاول الديمقراطية الأوروبية ذاتها. فقد حذّرت الوكالة الأوروبية للأمن السيبراني من أنّ الجمع بين الهجمات الرقمية والتلاعب بالمعلومات يشكّل تهديدًا مزدوجًا، لأنّه يقوّض الثقة بالعملية الديمقراطية والمؤسسات السياسية، ولا سيما خلال الفترات الانتخابية. ويُنظر إلى التأثير في الرأي العام وتشويه البيئة المعلوماتية بوصفه خطرًا لا يقلّ عن تعطيل البنى التحتية الحيوية.
تخوض أوروبا اليوم معركة غير مرئية، لكنها معركة وجودية ستحدّد شكل ديمقراطياتها، وحدود علاقتها بروسيا، وموقعها في نظام دولي يتغيّر بسرعة
هذا الإدراك تُرجِم إلى خطواتٍ سياسية عملية، أبرزها فرض عقوبات على أفراد وكيانات مرتبطة بأنشطة سيبرانية وحملات تلاعب بالمعلومات، إضافة إلى إعلان التضامن العلني مع الدول المُتضرّرة من الهجمات الرقمية، وتحميل روسيا المسؤولية السياسية عنها. ويعكس ذلك انتقال الاتحاد الأوروبي من سياسة التحفّظ والغموض إلى سياسة الإسناد العلني، رغم ما قد ينطوي عليه ذلك من مخاطر تصعيدية.
في المحصلة، تكشف الحرب السيبرانية كما تراها المؤسسات الأوروبية عن تحوّل جذري في معنى الاستقرار. إذ لم يعد الاستقرار مسألة حدود وجيوش، بل مسألة ثقة، ومعلومة، واستمرارية خدمات. وبينما تتقاطع السرديات الأوروبية والأطلسية حول طبيعة التهديد، يبقى السؤال مفتوحًا حول قدرة أوروبا على بلورة مقاربة مستقلة لهذا الصراع.
ما هو مؤكّد، وفق الخطاب الرسمي، أنّ القارة تخوض اليوم معركة غير مرئية، لكنها معركة وجودية ستحدّد شكل ديمقراطياتها، وحدود علاقتها بروسيا، وموقعها في نظام دولي يتغيّر بسرعة.