الثقافة والتاريخ لا يسكنان الحجر

31 اغسطس 2026
+ الخط -

ترددت في الكتابة عن موضوع لأن المشهد فيه اعتيادي. غير أننا نخطئ حين نعدّ المألوف بلا معنى. فما أعنيه هو أن أكتب عما يُرى متكرراً يومياً: جموع كبيرة من الناس تزور فضاء "عين أسردون" وقلعتها القائمة في علياء جبال الأطلس وأحضانها ببني ملال المغربية، لالتقاط الصور أو مشاهدة أعمدة شلالات المياه، ثم يغادرون وكأنهم مرّوا بمشهد وثائقي أو سينمائي قصير.

وبغض النظر عن التجربة الذاتية الخاصة التي يعيشها هؤلاء الزائرون، استمتاعاً بجمال المكان، ومشاهد زينة الأرض، وجبالها وحقولها التي أسفرت عن وجه بهيج، فضلاً عن التقاط الصور وتكوين أخرى ذهنية تصبح مجالاً للتذكر وفرصة لنقلها إلى الناس في مجالسهم، فإن السؤال يتجاوز هذه التجربة الذاتية.

بغض النظر عن هذه التجربة وما يمكن أن تتركه من أثر خاص أو مشترك في النفوس، أتساءل أمام هذا المشهد اليومي الذي لا تخطئه العين: أي نصيب للزائرين من الاطلاع على عبرة المكان المَزور، وتاريخه وثقافته وأحداثه وأشخاصه المؤثرين، وملاحمه إن كانت له ملاحم؟ وأي فرص يتيحها المكان للإلهام؟

أعتقد أن لهذين السؤالين أكثر من جدوى ومغزى، في وقت يداهم فيه فكرة تثمين الأصول والجذور خطرُ النسيان الثقافي، بفعل التغيرات السريعة التي أصابت بنية الحياة الثقافية والاجتماعية العامة في حياة الناس. وفي وقت اختلطت فيه منابع الإلهام، واضطربت مجاري الأفهام، وتبلبلت الأذواق.

وجدوى هذا التساؤل ومغزاه ينبئاننا بحقيقتين أساسيتين: الأولى، أن ثقافة التاريخ وتاريخ الثقافة لا يسكنان الحجر، ولا يسكنان مسيل الماء الجاري، بل يكمنان في التاريخ ذاته الذي يُحفظ ويُروى. يكمنان في القصص، لا الخرافات طبعاً، التي نحكيها عن الإنسان في تجربته مع الزمان والمكان والإنسان؛ ويكمنان في تجارب المحن والأذى التي نزلت به، وفي ثقافته التي يفسرها التاريخ، والتي يتضح التاريخ بها ويُقرأ ويُحلل، ويُبنى ويُصنع أيضاً.

ثقافة التاريخ وتاريخ الثقافة لا يسكنان الحجر، ولا يسكنان مسيل الماء الجاري، بل يكمنان في التاريخ ذاته الذي يُحفظ ويُروى

أما الحجر فما هو إلا شاهد عيان، والماء الجاري والجبل الأشم كذلك؛ فما هي إلا أوعية تعطينا صورة صغيرة عن التجربة والثقافة والتاريخ. ولئن كان الحجر والماء مجرد أثر، أو لنقل شهادة أو إحالة إلى مكان، أو إلى زمن مضى، وطريقة حياة كانا جزءاً من وجودها قبل التغييرات التي جاءت بها ترميمات العمارة الحديثة ومشاريع الصيانة والتحديث، فإن العبرة بما حوته هذه الأوعية من جوهر، مثّلته حركة الإنسان الطبيعية والثقافية على الأرض، وتطلعاته نحو خالقه، بارئ الكون والناس ورادّهم إلى المعاد.

نعم، هناك اجتهادات لرسم تاريخ المنطقة وآثارها وثقافتها، من البوابة الأكاديمية ومن خارجها، لكن كم تحتاج اجتهادات المجتهدين إلى وضع دقيق لمجموع الحلقات التاريخية المؤطرة للمكان! ثم أين هي هذه الاجتهادات من واقع الناس وثقافة الناس وكلام الناس وإعلام الناس وبرامج تثقيفهم وتربية النشء منهم؟ أين هي في حكاياتهم وقصصهم؟ أين هي في أجوبتهم عن أسئلة المارين بهذه الأرض الشاهدة على أوراق زمن مضى وولّى؟

الحقيقة الثانية أن قيمة المكان، أيّ مكان، تكمن في الإلهام الذي يبعثه في من يسكنه أو يعانقه بالزيارة والتردد. قيمته في ما يثيره في الأجيال الجديدة المعنية بهوية وثقافة هما الآن في مرمى كومة مفتعلة من الضوضاء والتشويش، مثل ما هي معنية بانفتاحها على جديد هو جزء من طبيعة الثقافة المتحركة.

الثقافة والتاريخ مجالان للإلهام، ودافعان للابتكار والإبداع، في امتداد لتراكم ثقافي إنساني متجدد

القضية، أيها السادة، هي: كيف نجعل من هذه الأفضية مجالاً للإلهام؟ كيف نجعلها تذكي الإبداع في روادها وزوارها؟ ولعل جزءاً من الإجابة عن ذلك يكمن في الغوص في التاريخ وفهم القصص التي ترويها. القضية في ربطها بالواقع المعيش، بالمجتمع ومشاريعه الفنية والعلمية والبيئية والاجتماعية والاقتصادية؛ لأن الثقافة لا تشتغل على الحقيقة تلقائياً، وإنما تفعل ذلك عبر فعل اجتماعي ذكي.

الخلاصة أن الثقافة والتاريخ يوفران مرجعاً لفهم عالمنا ومحيطنا ووعيهما بعمق، ويهيئان مجالاً فسيحاً للتذكير بزوال السُّلَط، كل السُّلَط، والمجد، كل المجد. ويدفعاننا إلى قراءة كتاب "العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر".

الثقافة والتاريخ مجالان للإلهام، ودافعان للابتكار والإبداع، في امتداد لتراكم ثقافي إنساني متجدد. 

D334291D-761F-4B6B-B89E-F8FDDA10BD42
D334291D-761F-4B6B-B89E-F8FDDA10BD42
عبد الغني العجان (المغرب)
عبد الغني العجان (المغرب)