الآثار النفسية والاجتماعية للحرب على سكان غزّة
جميلة، لكنها مُنهكة بعذابات السنين وآثار الحروب؛ تلك الجميلة المنقوشة في التاريخ من حصارٍ إلى حصار، تستفيق كلّ صباح لتعيش اليوم ذاته، فكلّ يوم يشبه سابقه. هي لا تُشبه شيئاً، ولا تُشبه إلا نفسها. يوماً ما، أجمَعَ العالم على تقييدها، ولم تكن تملك سوى رائحة الموت التي تعبق في الأزقة، فلا يشتم الأنف سواها، واليوم باتت مُنيَة العالم احتضانها.
الحرب تقطع خيوط السلم، لكنها أيضاً تزرع في الأرض كرامة متجذّرة، وتترك في النفوس سؤالاً صامتاً: من أنا بعد أن تكسّر العالم من حولي؟ وإن كانت أسقف المنازل قد هوت، فإن النفس أيضاً تعيش حسرةً على ما فقدت، وعلى ما لن يكون بعده.
حين يسقط القصف، لا تتطاير فقط أشلاء البيوت والحجر، بل تتفتت هشاشة النفس، وتتبدّل ديناميات العلاقات الاجتماعية، ويعلو صوت الصراخ الكامن خلف الكلمات. هنا في غزّة، ينحسر الأمان وتنكسر العلاقات، فلا تهدأ الحالة النفسية، ولا تُطوى صفحة الحرب بتوقف الطلقات. غزّة لم تُدمَّر فقط، بل تمزّقت نفسيّاً واجتماعيّاً، وتُركت تتعفّن تحت وطأة التجاهل.
لم تعد نتيجة الحرب تُقاس بالأرقام وحدها — شهيد، مُصاب، مُدمَّر — بل بعدد الحكايات الصامتة التي تستقر في الأعماق: خوفٌ مُرهق، نوبات قلق، ضياع هوية، وتفكّك شبكات الأمان — الأصدقاء، الجيران، الأسر الممتدة، والحيّ الذي كان مأوى الحكايات. ووفقاً لمراجعة سردية لمنظمة الصحة العالمية، لوحظ ارتفاع حاد في معدلات اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب والقلق في القطاع، مع ارتباط واضح بالتعرّض المباشر للعنف، والفقد، والنزوح.
أن تكون غزّياً، هو أن تحمل فيك شتاتاً روحياً لا تداويه الجغرافيا، ولا تحسمه السياسة
كثيرون باتوا يعيشون في حالة "تنبؤ دائم" بالخطر، إذ يقول أحدهم: "لم أعد أشعر أنني نائم، بل في انتظار الطلقة التي لم تُطلَق بعد". كما أشارت مراجعة لمكتب منظمة الصحة العالمية الإقليمي لشرق البحر المتوسط إلى أن الحرب فرّقت شبكات الدعم الاجتماعي، وزعزعت الروابط التي كانت تمثّل أحد مقومات الصمود.
كل علاقة اجتماعية، كل رابطة، أصبحت مرهونة بالبقاء على قيد الحياة: هل زارك جارك أم قُتل؟ هل عاد قريبك أم نُقل في كيس بلاستيكي؟ هل ستقيم حفلة عرس أم ستكتب نعياً؟ المجتمع لم يعد مترابطاً، بل مشلولاً، مفككاً، يختنق من الداخل.
وتؤكد دراسات حديثة أن أكثر من 63% من طلاب الجامعات في غزّة عانوا أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، وأغلبهم فقدوا ذويهم أو منازلهم أو شعورهم بالأمان. كما بيّنت أبحاث أخرى أن التهجير المتكرر، وفقدان مصدر الدخل، والاعتقال، كلها عوامل تزيد من معدلات اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب لدى سكان القطاع المنكوب.
الآثار النفسية والاجتماعية للحرب لا تنتهي بتوقف إطلاق النار، بل تبدأ بعدها، في اللحظة التي يكتشف فيها الناس أنهم لم يعودوا كما كانوا. حين تنتهي المقتلة، لا يعود كل شيء إلى سابق عهده، بل يصبح كل شيء "نسخة مشوّهة" من الماضي: الطفل الذي كان يضحك صار صامتاً، الأم التي كانت تُغني أصبحت تهمس بالأدعية، والشارع الذي كان يعجّ بالحياة غدا درباً يسير فيه العابرون بحذر. وحتى حين يُعاد الإعمار، وتُبنى البيوت من جديد، يبقى الداخل مُحطماً؛ فالذاكرة لا تُرمَّم بالإسمنت، ولا مؤتمر للمانحين يستطيع أن يُعيد إلى الروح سلامها.
التشريد والعيش في الملاجئ يجعلان الإنسان يغدو بلا مكان، بلا ركن يمثل ذاته وجذوره ومستقبله. تشير إحدى الدراسات إلى أن 85% من سكان القطاع نزحوا مراتٍ عديدة، مما هزّ إحساس الانتماء، وجعل الهوية ذاتها تتعرّض لهزة: ماذا يعني أن أكون من غزّة إن لم يعد هناك حيّ آمن أسكنه؟ ما طعم الذاكرة إن لم يبقَ المنزل؟
هذا التحوّل لا يقتصر على الأفراد، بل يمتد إلى جماعة بأكملها: كيف يُعاد بناء مجتمعٍ فُقد حيّه ودُمّرت مدارسه ومساجده ومقاهيه؟ الحرب فرضت على المجتمع الغزّي قوانين قاسية، تُنتج جيلاً أكثر انعزالاً، أقل ثقة، وأضعف قدرة على بناء علاقات طويلة الأمد. تنهار العلاقات التقليدية، ويُعاد توزيع الأدوار داخل الأسرة والمجتمع ككلّ.
وهنا تُطرح تساؤلات عديدة: من يتحمّل اليوم دور الراعي؟ كيف يُعاد تشكيل الهوية الأسرية حين تُفقد مكوناتها؟ وما تأثير ذلك على الأجيال القادمة؟
هنا في غزّة، الحرب تبدأ حين يعود الناس إلى "لا شيء"، إلى وجوههم في المرايا وقد تبدّلت، إلى أحلامهم المتكسّرة تحت سقوف لم تعد موجودة، إلى نفوسٍ ليست مجروحة فقط، بل ممزّقة، وإلى روابط اجتماعية كسّرت صلة الدم، ومزّقت دفء الجيران. آثار الحرب الحقيقية تتجلّى في هذا الخراب الصامت، في النفس، في الروح، وفي العلاقات التي كانت، وتلك التي لن تكون.
غزّة ليست قصة حرب تُروى في نشرات الأخبار كحدثٍ عابر، بل تجربة وجودية قاسية. أن تكون غزّياً، هو أن تحمل فيك شتاتاً روحياً لا تداويه الجغرافيا، ولا تحسمه السياسة.