إسرائيل تسعى لترميم صورتها بعد الحرب

20 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 12:11 (توقيت القدس)
+ الخط -

توقفت أصوات القصف، بردت فوهات المدافع الثقيلة، وعادت الطائرات إلى قواعدها. من تحت ركام الحرب، تنفّس أبناء قطاع غزة الصعداء ولو لوقت قصير؛ أخذوا نفساً ممزوجاً بالغبار الثقيل، ملوثاً بمخلفات القنابل، ومحملاً بالهيدروجين القاتل والنيتروجين ومواد كيميائية وغازات معقدة نثرتها الصواريخ والقنابل الإسرائيلية. ومع ذلك، بقي هذا النفس مفعماً بالصمود والحرية والكرامة والمقاومة.

سبعُمئة وثلاثة وثلاثون يوماً من القتل والحرق وهدم المنازل وتدمير البنى التحتية؛ أرقام يومية لا تنزل عن المئة في عدد القتلى، وفصول إبادة جماعية بمرارة العصر الحديث تتوثّق بالبث المباشر على منصات التواصل قبل أن يطاول القتل أصحابها. وبدلاً من أن يتضامن العالم مع الضعفاء وضحايا هذه الإبادة، شهدنا تأييداً مطلقاً لمن يقودها، دعماً سياسياً ومادياً وعسكرياً في مشهد يربك ضمير الإنسانية.

الآن، بعد هدنة نسبية، بدأت حرب أخرى من نوع مختلف: حرب سردية وإعلامية وسياسية. فإسرائيل الدولة المُرتكبة أبشعَ جرائم الحرب في التاريخ البشري، تسعى جاهدة اليوم لإبطال مفعول التضامن العالمي المُطلق مع الفلسطينيين. هي تُدرك أن ليس العالم كله يتضامن مع الفلسطينيين أو مع العرب (في الداخل الإسرائيلي لا يُشار إلى الفلسطينيين سوى بالعرب)، ولكن ثمة حملة ناهضة في عدد من الدول تُقلق بال عدد من المُنظّرين في إسرائيل والإدارة كذلك.

لم يكن مؤتمر السلام في القاهرة سوى محاولة لترسيخ واقع جديد يُؤسّس لفترة ما بعد الحرب الكونية على غزة، ولإعطاء الاتفاق الأخير زخماً دولياً يُجبر "نوعاً ما" الحكومة الإسرائيلية على القبول به بدل نسفه من أول خطوة، والكل يُدرك أن المرحلة الأولى من الاتفاق هي كل الأكثر وضوحاً إن لم تكن هي الاتفاق نفسه، وأي مرحلة بعد ذلك تبقى في عداد المجهول.

على مستوى الانحدار الأخلاقي لصورة إسرائيل في العالم كانت القفزة هائلة نحو القاع؛ لكنها الآن تعمل على إعادة تلميع صورتها ورفع أسهمها في الساحة الدولية. هذه المهمة تتطلّب جهوداً مكثفة عبر شبكات إعلامية دولية مملوكة أو مؤيدة، ومنصات رقمية مصمَّمة خصيصاً لترويج سرديةٍ متجددة تصوّر إسرائيل ضحيةً ومظلومةً تاريخياً، وتُبرّر أفعالها تحت شعارات الأمن القومي والتهديد المستمر. الهدف: إقناع الجمهور الدولي غير العربي بأحقية إسرائيل في سياساتها، وإقناع الجمهور العربي بأن المقاومة منهكة وغير مجدية.

لطالما كان سلاح الدعاية أقوى الأسلحة لدى إسرائيل وحلفائها، ومعه تتكاتف إدارات وسياسات دولية وعربية متحالفة. هذه الدعاية تروّج عقيدة تفيد بعجز المقاومة عن تحقيق نصر، وتسوّغ تكوين مشاريع سياسية جديدة في دول الجوار، على غرار ما جرى بعد حرب 1973 واتفاقيات التطبيع اللاحقة من كامب ديفيد (1978) إلى الاتفاقات الإبراهيمية اليوم.

يتعامل نتنياهو مع العرب بفكرةٍ مركزية مفادها أن المشكلة ليست إسرائيل، بل العرب أنفسهم

يتعامل رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو مع العرب بفكرةٍ مركزية مفادها أن المشكلة ليست إسرائيل، بل العرب أنفسهم الذين لا يريدون السلام. ومهم أن أذكر هنا أن الإسرائيليين لا يتداولون فيما بينهم مصطلح "الفلسطينيين" بل يقولون "العرب"، وأيضاً من منطلق أن الصهيونية أخلاقية وعادلة، إضافة إلى سياسة الجدار الحديدي، وغيرها من الأفكار المتطرفة التي تُترجَم في القرارات الحكومية، من ضمنها قرار شن الحرب في غزة ولبنان واليمن، وأيضاً قرار الرفض التام لاتفاقية أوسلو ولحل الدولتين وكل مبادرات السلام القائمة على هذا الحل.

وليس في خطاب نتنياهو الجديد ما هو مُغايرٌ لأفكارٍ صاغها مفكرون صهاينة منذ قرن، أبرزهم زئيف جابوتنسكي (1923)، الذي صاغ رؤى عن الجدار والهيمنة وتهويد الأرض. نتنياهو يُكرّر مقولات جابوتنسكي وأفكاره الأشد تطرفاً، ويُقدّره بشكل عميق، لأن والده بن صهيون ميليكوفسكي كان السكرتير الشخصي لجابوتنسكي، ولا يزال بنيامين يحتفظ بسيفه حتى اليوم، وهذا الأمر يراه عدد من الإسرائيليين شكلاً من أشكال الانتقام من قادة حزب العمل الذين أهانوا معلمه (ومعلم والده) من ناحية، ولتلقينهم درساً في سياستهم المتراخية مع العرب من وجهة نظره من ناحية أخرى‪.‬‬‬

نتنياهو يُمارس التجارة السياسية على أعلى مستوى مُنذ دخوله عالم السياسة، بقضية الصهيونية وأحلام تحقيق الدولة الكبرى في الشرق الأوسط.

وهنا نستغرب من إصرار الدول العربية على ضرورة تحقيق حلّ الدولتين مع رئيس حكومة مُتطرّف، له صلاحيات دستورية وسياسية واسعة، تُمكنّه من ضرب عرض الحائط بالحل ومخرجات المبادرة العربية للسلاّم بيروت ‪2002‬، وليس ببعيد أن يضرب في اتفاقية كامب ديفيد مع مصر إن بقي في منصبه لولاية أخرى، ويُمارس التجارة السياسية على أعلى مستوى مُنذ دخوله عالم السياسة، بقضية الصهيونية وأحلام تحقيق الدولة الكبرى في الشرق الأوسط.‬

الآن، بعد الحرب التي لم تجر رياحها بما اشتهت إسرائيل، والمستمرة بقرار إسرائيلي مُباشر في أماكن أخرى غير قطاع غزة، مقابل إذعان سياسي عربي، ترى تل أبيب أن الإمكانية الوحيدة للسلام هي الاستسلام التام، وستُركّز على سلاح الإعلام والدعاية والإقناع بشكل مكثّف أكثر من أيّام الحرب، وتُراهن في ذلك على عامل مهم في تشتيت انتباه العالم الغربي عن جرائم الحرب وهو عامل النسيان.

إسرائيل تُدرك جيداً أن استيقاظ المجتمعات الغربية وبعض الحكومات الأوروبية هو مُتأخر جداً، وأن الإجراءات العقابية ضدها من دول أوروبا هي جد محدودة التأثير فإنّها لن تقبل بحدوثها، لأنها ستُؤسّس لمرحلة جديدة على المستوى السياسي ستكون خطراً عليها في المستقبل المتوسط والبعيد، وعليها أن تُواجه هذه الحملة بسلاح الإعلام وإعادة تدوير صورة "الضحية" وتثبيت صورة الدولة الصهيونية الأخلاقية القويّة.

كاتب صحفي مغربي وباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بسلك الدكتوراه بكلية أكدال الرباط.
أيمن مرابط
كاتب صحفي مغربي وباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بسلك الدكتوراه بكلية أكدال الرباط.