أيّها الرجل لا تُقاطعني
ما معنى أن يُقاطع أحدهم سِياسيّة بصدد إلقاء خطاب أو بيان في مؤتمر صحافيّ أو مثقّفة تقدّم محاضرة فكرية أو مُشارِكة بصدد مناقشة فكرة أو مقترح أو برنامج؟
ما كنّا لنطرح هذا السؤال لولا "احتراف" بعضهم أخذ الكلمة عنوة في كلّ مرّة تُلقي فيها امرأة خطاباً في الأمكنة العامة، وتربصّهم بالنسويات اللواتي يعقدن مؤتمراتهن أو ندواتهن أو يُنظّمن أنشطتهنّ التوعوية وغيرها، وهو سلوك يؤكّد أنّ قطع كلام كلّ مُتكلَّمة مقصود وله أهداف لا تخفى على أحد، لعلّ أهمّها التشويش على خطابات المترشّحات في الحملات الانتخابية، ومنعهن من تقديم البراهين والحجج القاطعة، بحيث يصعب عليهنّ إقناع الجماهير وتوضيح برامجهنّ السياسيّة وتصوّراتهن.
أمّا حضور الكارهين للنساء والمناهضين للفكر النسويّ الأنشطة النسويّة وتعمّدهم قطع حديث المتدخّلات في النقاش باستمرار، فلا غاية له سوى إثبات أنّ أخذ الكلمة في الفضاء العامّ لا بدّ أن يبقى امتيازاً ذكوريّاً، ذلك أنّ المسألة تتعالق مع التراتبية وتوزيع الأدوار واحتكار السلطة وممارسة الهيمنة على الجماهير. ويعتقد هؤلاء أنّ النساء وافدات على الفضاء العامّ وما حضورهنّ فيه إلا للاستماع إلى خطابات الرجال ومشاهدة آدائهم والاستمتاع بفصاحتهم.
لقد خاضت النساء نضالات من أجل تحرير الكلمة وامتلاك الصوت والحضور في الأماكن العامّة لإبداء آرائهن والمشاركة في الشأن العامّ على قاعدة المواطنة والمساواة والعدالة بين الجنسين، ولكن ها هنّ يصطدمن مرّة أخرى، باستراتيجيات التصميت ومحاصرة الأنشطة وتحويل وجهة النقاش وإحداث الضجيج وتعكير صفو ''الجلسات النسائية''، حيث الخطابات النسوية المفكّكة للنظام البطريكيّ والتحالفات الذكورية والمُحلّلة لمختلف أنظمة القهر وبنى الهيمنة، والمنحازة لضحايا التسلّط والسياسات النيوليبرالية والتشريعات التمييزية... وهي خطابات لا تعجب أغلبهم لأنّها تبدو في نظرهم، مجرّد ثرثرة ولغواً، فمتّى فهمت النساء السياسة؟ أمّا نقاشات النسويّات فهي مهدّدة للاستقرار الأسريّ (في الظاهر) ولامتيازات الرجال (في الباطن).
الخطابات النسوية المفكّكة للنظام البطريكيّ والتحالفات الذكورية والمُحلّلة لمختلف أنظمة القهر وبنى الهيمنة... هي خطابات لا تعجب أغلبهم لأنّها تبدو في نظرهم، مجرّد ثرثرة ولغواً
يقطع أحدهم حديث من أخذت الكلمة لتتناول ظاهرة من الظواهر التي لها انعكاسات خطيرة على حيوات النساء كأشكال العنف أو اللاعدالة في الأجور أو حرمان الفتيات من الدراسة... لينبّه الغافلات إلى أنّه سيّد المكان، وليذكّرهن بالنظام القائم على الفصل بين الذكورة/الأنوثة، الخاص/العامّ، الداخل/الخارج، الفاعليّة/المفعوليّة... ثمّ ينتصب "الآمر والناهي" بحكم علمه وخبرته فيملي عليها المواضيع الأكثر خطورة من وجهة نظره، ويأمرها بتغيير منهج التحليل، وينتقد طريقتها في العرض، ويقلّل من شأن النتائج التي توصّلت إليها... إنّه صاحب المعرفة المعيارية والحكمة والتجارب المهمّة، ويستحقّ أن يكون في المركز ليعرض على الركح كلّ ما حصّله من مكاسب وامتيازات ويستقطب الجمهور. ويترتّب على ذلك الاستحواذ على حقّ النساء في أخذ الكلمة في الفضاء العامّ، إرجاع من أخذت الكلمة منها إلى الهامش لأنّه مكانها ''الطبيعي''.
قد لا تقدر بعضهنّ على المواجهة، وتكتفي بالتنديد بهذه الممارسات، أو الاستفسار عن هُويّة من منعها من الاسترسال في الحديث. ولكنّ أغلب الشابّات والنساء بتن اليوم على وعي بأنّ هذا السلوك وهذه الطريقة في التواصل وهذا الفعل المتكرّر... كلّها من أشكال العنف المسلّط عليهنّ ضمن علاقات القوّة التي تفرضها الهيمنة الذكورية. ولذا فإنّهنّ يتصدّين بكلّ جرأة، لكلّ من لم يلزم حدوده وأراد أن يلعب دور ''البلطجي'' في الندوات التي تنظّمها الجمعيات النسويّة، أو مراكز البحث وغيرها من الأفضية، مبرهنات بذلك على تصميمهنّ على الدفاع عن حقّ أخذ الكلمة، وحريّة التعبير، ومطالبات هذه الفئة من الرجال بالكفّ عن لعب دور نشأوا عليه ولم يستطيعوا التحرّر من إكراهاته: أن يكون الرجل المراقب خطابات النساء وسلوكهنّ، والمؤدّب لكلّ من أبدت تمرّداً على المعايير الاجتماعية وخرجت عن السرب، ومُنغّص لحظات استمتاع النساء بالحوار والنقاش وإبداء الرأي.